كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

قرية الشيخ فرج سرحان الفندي...

 

 
في قلب محافظة بابل وعلى ضفاف الفرات الذي لا يشيخ ولا يتعب من رواية الحكايات، تمتدّ قرية فرج سرحان الفندي من قبيلة العكابات الزبيدية كخيط ضوءٍ منسوج من أصالة التاريخ وكرامة الأرض وعبق العشيرة وتقع هذه القرية في الجنوب من قضاء المسيب ضمن ناحية سدة الهندية تلك الرقعة الخصبة التي احتضنت سنوات من الزراعة والاستقرار والعلاقات العشائرية الراسخة، والتي بقيت على الرغم من تغيرات الزمن وفوضى التحولات شاهدة على ثبات الإنسان وشموخه.
يحدّها من الشمال قضاء المسيب، ومن الجنوب ناحية قضاء الحسينية التابع لمحافظة كربلاء، ومن الشرق قضاء المحاويل، ومن الغرب قضاء الهندية التابع لمحافظة كربلاء وكأنها تقف عند مفترق جهات أربع، تجمع ما بينها من إرث اجتماعي وروحي وجغرافي، فتغدو نقطة التقاء بين بابل وكربلاء، بين السهل النهري والامتداد العشائري، بين الماضي الذي لا ينطفئ والمستقبل الذي يتشكّل ببطء لكنه يقف على أرض ثابتة.
وتقع القرية قرب نهر بني حسن الذي يمتد من الفرات من خلال سدّة الهندية، فقد صُبغت روحها بلون الماء وهديره، وكأن الفرات رسم لها مسار حياتها، فأعطاها خصب الأرض، وهدوء الليل ورائحة البساتين التي كانت وما زالت تكسو أطرافها وإنّ وجود القرية على هذا الامتداد المائي جعل أهلها على تماس دائم مع الزراعة والنخيل والفواكة والحنطة وبات الفلاح فيها يعرف انحناءة السعفة كما يعرف تفاصيل وجه أبيه.
غير أن القرية لا تُعرف فقط بجغرافيتها، بل بتاريخ الاسم الذي تحمله. فقد سُمّيت قرية الشيخ فرج سرحان الفندي وهو من بيت رئاسة قبيلة العكابات الزبيدية ولد عام ١٨٩١ ميلادية نسبةً إلى ولادة في هذه المنطقة وسميت باسمه ذلك الرجل الذي خرج من رحم الأرض وذاكرة القبيلة فصار علامةً لها، واسمًا تتوارثه الأجيال لتثبت أن المكان ليس ترابًا فحسب، بل رجلٌ عاش فيه، غرس قيمه في أهله، وأسّس لوجودٍ عشائري ظلّ متماسكًا حتى يومنا هذا.
ولد الشيخ فرج سرحان الفندي في هذه الأرض وعاش فيها، حتى وفاته في عام ١٩٧٨ ميلادية حيث صارت هذه القرية مركزًا لسكن أبناء عمومته من قبيلة العكابات الزبيدية، حتى أصبح البيت الأول الذي انطلقت منه سلسلة بيوت ومضائف وعلاقات نسب وقرابة ومع مرور السنين انتشر أولاد عمومته في القرية ونمَت الأُسَر وتوسّعت لكن روح افراد القبيلة في هذه القرية بقيت واحدة: كرم، غيرة، إباء، وحفاظ صارم على العادات والتقاليد التي لم تتخلخل رغم العصر وتغيّراته وما زال أهل القرية حتى يومنا هذا يسكنون الأرض نفسها، يفلحونها يحمونها ويتمسكون بإرث أجدادهم كما يتمسك النخل بسقايته الأولى.
وتبقى هذه القرية، رغم صغر مساحتها قياسًا بمدن العراق الكبرى، مركزًا غنيًا بمعاني الانتماء، إذ كانت وما زالت أرضًا لمجالس المصالحات ومضيفًا مفتوحًا للمارة ومكانًا يعرفه أهل المناطق والقبائل المجاورة لجلسات الكرم والفزعة والإيثار. فالبيت في هذه القرية ليس مكانًا فحسب، بل هويةٌ تمتد إلى عمق التاريخ القبلي الذي شكّل جزءًا من النسيج الاجتماعي في بابل وسدة الهندية والمسيب والهندية وما حولها.
ولعل أجمل ما يميز قرية الشيخ فرج سرحان الفندي أنّها رغم مرور أكثر من قرن على تأسيسها باسمه، ما زالت تحتفظ بسماتها الأولى : السكينة التي يسكبها الفرات والترابط العشائري المتين والذاكرة التي لا تسمح للغريب بزحزحة قيمها، ولا للتاريخ أن يطمس أسماء رجالها فقد بقيت القرية شاهدة على ولادة جيل بعد جيل والذين حملوا الإرث وسكبوا من أخلاقهم على المكان ما جعله اسمًا يحظى بالاحترام في كل المجالس.
وإن كانت المدن الكبرى تُعرف بشوارعها ومبانيها فإن قرية الشيخ فرج سرحان الفندي تُعرف بأهلها، بنخيلها الذي يضرب بجذوره عميقًا وبمائها الذي يلامس بساتينها، وبذاك الاسم الذي لم يُطلق اعتباطًا، بل منحها هويةً وشخصيةً وخصوصيةً لا تتكرر.
هنا، على هذه الأرض، تشعر بأن الزمن بطيء، وأن القيم ما زالت تُحفظ كما لو كانت وصية، وأن الفرات لا يزال يكتب بمياهه سيرة رجل سميت منطقة باسمة قبل أكثر من مئة وثلاثون عام لكنه ترك من أثره ما يكفي لجعل قرية كاملة تحمل اسمه وتفخر به.
هذه هي قرية الشيخ فرج سرحان الفندي... قرية صغيرة بحجم المساحة عظيمة بحجم تاريخها راسخة كأقدام النخيل التي لا تهتز أمام الريح.

1000376340.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!