كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الإمام الحسن.. ميزان الإمامة ووريثها الأول

 

لكل إمام، تكليفه الخاص من الله تعالى، ومادام إماما معصوما مفترض الطاعة، فلا يسأل عن أي فعل يقوم به، وإن أي قرار يتخذه، لابد أن فيه مصلحة للدين أولا. الامام الحسن عليه السلام، تولى مسؤولية الامامة والخلافة بعد استشهاد والده الامام علي بن أبي طالب عليه السلام، فقاد الأمة في أحرج وأصعب مراحلها، تلك المرحلة التي شهدت تحول الخلافة الى ملك، وشهدت نضوج الخطة التي رسمتها بنو أمية منذ اللحظات الأولى لتولي مغتصبو الخلافة من أهلها المسؤولية، تم التخطيط والتدبير للاستيلاء على السلطة. فكانت الفترة التي تحمّل فيها الحسن عليه السلام، المسؤولية، كانت من أصعب المراحل وأخطرها، حيث إن الدين كله على مفترق طرق: أما أن يبقى دين محمد صلى لله عليه وآله وأما أن يتحول الى دين بني أمية. 
إن المشكلة الكبيرة التي واجهها الامام الحسن تمثلت بالانحدار القيمي والابتعاد عن المبادئ التي جاء بها الإسلام، حيث كثرت الخيانة وأخذت الرجال تباع وتشترى. وما عاناه الامام سلام الله عليه هو فقد الاصحاب، وعدم امتلاكه لخلّص حقيقيين، يمكن الاعتماد عليهم في حربه مع معاوية عليه لعائن الله. لهذا، قرر الامام عليه السلام، أن يبرم معاهدة الصلح مع معاوية، لأسباب كثيرة، منها أنها جزء من تكليفه الشرعي، وثانيهما أن الظرف الذي كان يعيشه الامام، وقلة الناصرين وخيانة المقربين، أجبرته على الهدنة مع العدو. ثالثهما هو فضح المعسكر الأموي، وكشف زيف ادعائه الدين. 
وللأسف، نجد بعض الكتاب المعاصرين الذين يدعون حب أهل البيت ظاهرا، يحبون أهل البيت ويحبون أعداءهم بنفس الوقت، هو كاتب يسبق اسمه حرف الدال، لكنه للأسف، لا يملك أي معنى من مقومات تلك الشهادة التي تستلزم من صاحبها البحث والتقصي في الحقائق والتاريخ. هذا الكاتب الذي آثرنا عدم ذكر اسمه، تكريما لهذا المطبوع الذي يحتضن اسم الحسين عليه السلام ، هذا الكاتب أفتري على الامام الحسن، فنقل رد الامام الحسن عليه السلام على نفير الحضرمي عندما قال له: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة. فقال الامام: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله. وهذا الكاتب، قد نقل هذا الكلام من البداية والنهاية. ولهذا الكلام، مآخذ عدة، وأبسط قارئ للتاريخ، سوف يدحض هذا الكلام، كون أن هذا الرواية لا يمكنه الصمود أمام لحظة تفكر واحدة. فهذا الدكتور، يقول لنا بأن الامام الحسن عليه السلام، كان يملك من مقومات القوة والبأس، ما يمكنه التغلب على معاوية وجيشه، لكنه قرر التخلي عن الخلافة لصالح معاوية ابتغاء وجه الله!! فهل كان الامام فعلا يملك القوة؟
يقول الشيخ راضي آل ياسين طاب ثراه في كتابه صلح الحسن: وأما السؤال عن الكفاية لقمع هذه الفتنة بالقوة، وهو الحلم اللذيذ الذي هتف به الشيعة المتحمسون بالكوفة إبان النهضة للجهاد. ويضيف: كان للحسن في مسكن، بقية من جيش لا تجد المعنويات سبيلها إليه الا بالمعجزة بعد النكبة التي أصيب بها هذا المعسكر بخيانة قائده وفرار ثمانية آلاف من أفراده.. وبالنسبة العددية فقد كان أكبر عدد بلغه جيش الحسن عليه السلام، فيما زحف به للقاء معاوية عشرين ألفا أو يزيدها قليلا، وكان في جيش معاوية التي عسكر به على حدود العراق ستين ألفا!! فهذا كان الوضع العسكري للإمام الحسن عليه السلام، فكيف يمكنه مواجهة معاوية ببقايا جيش! أما الناس، فهنالك جماعة من رؤساء القبائل بايعوا معاوية بالسر، وأقروا له بالطاعة والسمع، حتى أنهم عرضوا تسليمه الحسن! أما أصحابه، فقد لاموا الامام على صلحه مع معاوية، رغم إيمانهم العميق، بأنه إمام معصوم مفترض الطاعة، وأفعاله وكلامه مؤيد من الله، وجزء من تكليفه وواجبه. 
إن إيماننا بأن استشهاد الامام الحسين عليه السلام، كان لأجل إعلاء راية الدين الحق، وفضح دين بني أمية، هو ذات الايمان بأن صلح الامام الحسن عليه السلام مع معاوية، هو تمهيد لثورة الامام الحسين، وهو فعل كان لابد منه لضمان بقاء الدين واستمرار شعلته داخل البيت النبوي الأصيل. 
إن حركة الامام الحسن عليه السلام، هي جزء لا يتجرأ من حركة كل الأئمة الأطهار عليهم السلام، ومعركة الطف، هي صورة من صور الدفاع عن الدين، مثلما هو الصلح مع معاوية. وأي تشكيك أو ريبة، إنما هو تشكيك بالدين نفسه وتشكيك بالرسالة كلها.
إن تسليط الضوء على مسيرة الامام الحسن عليه السلام، مسؤولية شرعية وأخلاقية لكل منصف، ومؤمن وموقن بقضية الحسين، فلولا الحسن، ما وجد الحسين، مثلما فأهل البيت سلسلة متصلة بعضها ببعض.

الحسين والثورة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!