نفحةٌ من روحِ اللهِ خُلقنا، ومن طِينِ هذا العالم كانت قوالبنا، أرواحنا تجذبها السماء، حيث تنتمي، وأجسامنا تحنُّ للأرض، وتركن إليها.
ما يحدِّد الجهة التي نسيرُ إليها -صعودًا أو نزولًا- هو الجانب الذي نعطيه اهتمامًا ونغذيه، خلال مسيرتنا في الحياة، فإن أولينا جُلَّ العناية للروح وتكاملها، تصاعدنا، وارتقينا، واقتربنا من السماء أكثر، فأكثر، وإن كان همُّنا هو الجسد، وما يريد، ركنَّا إلى الأرض، وزدنا التصاقًا بها.
والحقُّ، أن الصعود بطبيعته صعب، وشاق ويحتاج لجهاد عظيم، على عكس النزول، فهو مريح، سهل، ولا يتطلب الكثير من المؤونة.
إننا في النهاية أرواح، وما الجسد إلا آلة، الغرض منها مساعدة الروح في الوصول إلى وطنها، ومكانها في العالم الأعلى.
وحين نُغلِّبُ جانب الجسد، تظمأ الروح، فتنتفض ثائرة، مما يُدخلنا في حالة صراع بين الجانبي المادي والروحي، وندخل ساحة حرب ضروس، لا تشبه الحروب الأخرى، بل هي أكثر شراسة.
ولأن الرحمن يُحبُّ خلقه، ولأنهُ عظيم الرَّحمة بهم، فهو لا يتركهم دون هادٍ في طريقهم الطويل، ودون سلاح فعَّال في حربهم.
ومن لطفه أرسل الهادين (الأنبياء والأوصياء) لهداية البشر، والسلاح هو شرائعهم.
فإن كان العبد غارقًا في ظلمات هذا العالم المادي وكانت روحه عطشى ثائرة، وهو عازم على خوض حرب لِترقى، فالذكر (اليونسي) طوق نجاة عند الغرق، وهو النور في الظلمات..
(لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).
هذا السلاح أثبت فاعليته العظيمة على مرِّ التاريخ، وكان له أثرٌ عظيم في بلوغ المقاصد عند السالكين، والعارفين، وسائر المؤمنين.
على أنكَ لن تستطيع تحقيق الاستفادة المرجوة من هذا الذكر بمجرد ترديده على لسانك بعدد معين أو في وقتٍ معين، بل يجب علينا إن كنَّا نطمحُ في تحقيق الفائدة الحقيقية، الإحاطة، "ولو إجمالًا" بجانبين:
1- مضامين الذكر اليونسي.
2- طريقة الوصول للأثر المترتب عليه.
أما أجزاء الذكر ومضامينه فثلاثة:
1- التوحيد:
والتوحيد من الأمور العقائدية الأكثر وضوحًا...
يبرز هنا تساؤل: ما علاقة التوحيد الذي هو أمر عقائدي بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وهو سلوك إنساني؟
أو ليس توحيد الإنسان النادم والعائد لربه هو أمر قطعي ومفروغ منه؟
وللجواب على هذا التساؤل، يقول العلماء أن التوحيد المقصود هنا هو توحيد اللجوء لله، والمعاذ به، كما يفعل الطفل المخطئ الذي أغضب والدته فهو لا يجد ملجأ آمنًا كحضنها فيلوذ به.
ونجد ذلك في عبارات الأدعية مثل :( هَلْ يَرْجِعُ الْعَبْدُ الاْبِقُ اِلاّ اِلى مَوْلاهُ) (يا مَنْ كُلُّ هارِب إلَيْهِ يَلْتَجِئُ)
2- التسبيح:
وهو تنزيه الله عمَّا لا يليق بجلاله، وهنا أيضًا يرد السؤال نفسه، ما علاقة التسبيح بالتوبة؟
والجواب، إن التسبيح هنا بمعنى تنزيه الله جل جلالهُ عن أن يكون هو مصدرًا لشرور العباد وذنوبهم،
فهو جلَّت قدرته مصدر لكل خير، أما الشَّر فهو من الخلق أنفسهم.
ورد في الدعاء (أَنْتَ المُحْسِنُ وَنَحْنُ المُسِيئُونَ)، (مَوْلايَ أَجْرَيْتَ عَلَيَّ حُكْماً اتَّبَعْتُ فِيهِ هَوى نَفْسِي)
3- الاعتراف:
إذ أنه يستبطن الندم، ويستحضر حالة التذلل، والخشوع، واستشعار الفقر، والاضطرار إلى رحمته تعالى، مما يضع الإنسان في معرض القبول، وتنزل الرحمة والفيض الإلهي.
ولينال الإنسان الفائدة المرجوة من هذا الذكر المبارك، عليه أن يعيش معاني هذا الذكر، ويظهر عليه ذلك في أحواله.
ومثال ذلك المُصلي، فإنما ينتفع من صلاته بما يظهر عليه من آثارها (ليس لك من صلاتك إلا ما وعيت)، والصائم (فكم من صائم ليس له من صومه إلاَّ الجوع والعطش)
ختامًا نقول حريٌّ بالمؤمن أن يلتزم بهذا الذكر العظيم، وأن يجهد ألا يخسر بركاته، وأن تظهر معاني هذا الذكر عليه في كل حال، فيعيش توحيد الله وتسبيحه، والاعتراف، والتذلل له، والارتباط الدائم بربه، فهذا سبيل النجاة من كل مكروه (وكذلك نُنجي المؤمنين).


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!