شهداء الطف الحسيني المبارك تجاوزوا الأمد الزماني، والحد المكاني، وتوسعوا على قنوات الفكر، والذكر، والصلوات، وكل لقاء مع شهيد يمنحني الطمأنينة والأمان.
شهيدنا اليوم من شيوخ الشهادة المعمرين، الذين حملوا بركات حياتهم ليبارزوا الظلمة في كل جيل ولا يرضخ للباطل في أي وجه يكون.
هو مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة من أسد خزينة، وقبل أن أسأله رد السلام بأدب الشهداء..
أنا من صحابة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم"
قلت هذه المعلومة تعرفها يا سيدي، وكنت من أبطال العرب في صدر الإسلام، شهدت يوم أذربيجان وغيره من أيام الفتوح، حين يزداد عمر الإنسان يزداد خبرة حياتيه وتجربة محصها الحق فاستكانت على رؤية وطريق، العمر له حواء يا سيدي، والعلم له حواء، والتقى والورع، ولهذا قرات في وجهك المبارك ملامح سيدي سيد النجف، وثبته، صبره، شجاعته، ومعناه.
قال لي "رضوان الله عليه"، نزل مسلم بن عقيل في بيتي عند أول مقدمه الكوفة فتسامع أهل الكوفة بقدومه، فجاءوا إليه يبايعوه، وحلقوا حوله ليناصروه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على البيعة 18,000، وكنت أنا المناصر بن عقيل، أهيئ له المال والسلاح، وآخذ البيعة، واختار مسلم بن عقيل قادة لمناصريه في الكوفة، لضرورة التنسيق بينهم، فجعلني على ربع مذحج وأسد، جاء أحد جواسيس عبيد الله بن زياد بثوب موالي، يحمل له الأموال والبيعة، وكشف موقع مولاي مسلم بن عقيل، ولهذا صار علي أن اختفي، ومن ثم التحقت بالإمام الحسين "عليه السلام" أنا وأهلي إلى كربلاء.
قلت مهلا سيدي يا مسلم بن عوسجة هذا يعني أنك لم تكن في الطف وحدك؟:
ـ كانت معي زوجتي في كربلاء، وابني "خلف بن مسلم الأسدي" واستشهد معي في الطف مع مولاي الحسين "عليه السلام"
سيدي مسلم، يذكر لك التاريخ موقفا حين طلب الحسين عليه السلام منكم أن تتفرقوا عنه وقال هؤلاء القوم لا يريدون غيري؟
ابتسم لي وقال:
- ولم يكن موقفا عابرا، بل كان هوية وانتماء ودين ونصرة لرسول الله "صلى الله عليه وآله" وموقف يختبر فيه اليقين، أ نحن نخليك هكذا يا ابن رسول الله، وننصرف عنك وقد أحاط بك العدو!
لا والله لا يراني الله ابدأ وأنا أفعل، ذلك حتى أكسر في صدرهم رمحي، وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن لي سلاح أقاتلهم به لقدفتهم بالحجارة، ولن أفارقك أو أموت معك. والله لو علمت أني أقتل، ثم أحيا، ثم أحرق، ثم أحياء، ثم أضرب يفعل بي ذلك 70 مرة ما فارقتك حتى القى حمامي بين يديك، فكيف لا أجعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.
سأحدثك عن كل ما حدث، فقط صبرك علي، فتوق الشهداء لا يجارى.
حين تجرأ الشمر لعنه الله ونادى يا حسين أتعجلت النار قبل يوم القيامة، أردت أن أرميه بسهم فمنعني مولاي الحسين من ذلك، فقال لا ترمه فاني أكره أن ابدأهم القتال.
: ـ وبعدها؟
: ـ برزت إلى حومة الميدان وأنا أرجز
إن تسالوا عني فاني ذو لبد وأن بيتي في ذرى بني أسد
فمن بغاني حائد عن الرشد وكافر بدين جبار صمد
قلت: ـ التاريخ يحتفظ لك بوصيتك لحبيب بن مظاهر الأسدي، تلك الوصية التي صارت الشعار كل ناصر الحسين "عليه السلام" وعلى مر الأجيال.
- هي من أبرز لحظات حياتي واجملها، وقعت سريعا في الميدان، وبي رمق فمشى إلي مولاي الحسين "عليه السلام" مع حبيب بن مظاهر الأسدي، قال الإمام رحمك الله يا مسلم ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قال لي حبيب لولا أني أعلم أني في أثرك، لا حق بك من ساعتي لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك حتى أحفظك.
- قلت له أوصيك بهذا، وأومأت بيدي إلى الحسين "عليه السلام" أن تموت دونه يا حبيب، فقال لي حبيب:
ـ أفعل ورب الكعبة.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!