كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

كتاب "نظرية حديثة في ازدواجية الشخصية العراقية"

موضوع ازدواجية الشخصية العراقية شغلني منذ فترة ليست بقصيرة، وكان يصعب علي قبول ماكتب أو ما نشر، أو ما أذيع أوما يتردد على ألسنة العراقيين عن هذه الظاهرة وكأنها داء أصيب وابتلي به سكان العراق، لكني بعد دراسة وتفحص هذه الظاهرة، وجدتها وكأنها سر إبداع سكان وادي الرافدين، وسر بنائهم الحضاري وما شيدوه منذ آلاف السنين لحد يومنا الحاضر. العراق كان وما زال لوقت قريب ماكنة الشرق.

الهدف من كتابة هذا الكتاب، هو رسم الملامح والسمات الحقيقية لازدواجية الشخصية العراقية ، وضمنيا فان هذا الهدف يستبطن غرضا مخفيا يتمثل في تخليص الشخصية العراقية من كل صنوف التشوهات التي التصقت بها عن موضوع نهشته الانطباعات السطحية والأحكام غير المدروسة والبعيدة عن الصرامة العلمية. 

الازدواجية خاصية فطرية في الانسان ، ولم أقصد بها هنا مفهوم من علم النفس المرضي والذي يخص حالات مرضية نادرة، بل من مفهومها الاجتماعي، وهي حالة شائعة بين البشر ولا ينفرد بها العراقيون أو يمتازون على غيرهم من الشعوب. وهذه الظاهرة خلقت عند سكان العراق ملكات ومواهب متعددة ومنها، الشرح والتفصيل، والبناء الفكري، والتطبيق. هذه الملكات والمواهب نجدها عند المجتمع الأوربي والياباني وبعض المجتمعات الأخرى المبدعة. ممكن القول، لدى سكان العراق عقلية علمية وعقلية قيمية. الازدواجية تظهر في العقلية القيمية وليست في العقلية العلمية.

 حاولنا في هذا الكتاب ايجاد المفتاح الذي يفتح أسرار ظاهرة ازدواجية الشخصية العراقية، ومنها حددنا مكان ولادتها، والمعادلة الفكرية التي تتحكم بها، كذلك الآليات الاجتماعية التي تربط بين القوتين المتعاكستين باستخدام أحدث الطرق والمناهج البحثية في العلوم الاجتماعية والتاريخية والانثروبولوجية.

كذلك دراستها كظاهرة اجتماعية لا يمكن تحديدها بعامل واحد بل هناك عدة عوامل تدخل في تركيب هذه الشخصية والاختلاف في ترتيب الأولويات دون إهمال العوامل الأخرى، كما لبيئة الصحراء فرضت على البدوي تقاليده وعاداته وهذه ليست قائمة بحد ذاتها بل هي وليدة البيئة، كذلك العراق يورث ابناءه قيماً وثقافات مصادرها المياه والهضاب والصحراء.

هذا الكتاب يبين بأن ازدواجية الشخصية العراقية سببها عاملان أساسيان ومنشأهما المياه، وهما الفيضانات والغزوات الخارجية. وفرة المياه في بلاد الرافدين جعلته يتمتع بثروات كبيرة وزيادة في الثراء والسعادة والاستقرار والنمو السكاني. هذه المميزات جعلت من العراق محطاً للأطماع وتعرض الى غزوات خارجية وحروب مدمرة. الطوفان والغزو الخارجي المستمر للعراق ولدتا شخصية قلقه وغير مستقرة وغير متفائلة بالمستقبل. 

ينقسم الكتاب على قسمين رئيسين: في القسم الأول منه نبحث عن دور المياه ( الأنهار والبحار) في بناء الحضارات البشرية بوجه عام ولعلي قصدته لأني وجدت أن للمياه دورا أساسيا وفاعلا في بناء الشخصية الفردية والجمعية أكثر من غيرها من العوامل البيئية الأخرى. فضلا عن ذلك، فان موضوع المياه ودراسة السلوك البشري من المياه لم تبحث في مراكز البحوث العالمية الا القليل والنادر منها.

اما القسم الثاني: هو نتاج عدة أبحاث علمية حول ازدواجية الشخصية العراقية، نشرتها في مجلات علمية رصينة، تتمحور حول منشأ ظاهرة الازدواجية للشخصية العراقية و منشؤها جاء من مياه حوض وادي الرافدين وليست من الصحراء، بأن ظاهرة الازدواجية ظهرت في نصوص الأساطير السومرية القديمة، وكيف نظم سكان العراق حياتهم حول قاعدة فكرية مبنية على ازدواجية المقدس والمدنس وهي الدين، والدولة، والاليات الاجتماعية التي تنظم ازدواجية الدين والدولة منذ زمن السومريين لحد هذا الوقت هو التقويم (الأعياد والطقوس). كذلك تبين هذه الدراسة كيف احتفظ سكان العراق بازدواجية مرجعيتين قويتين هي المرجعية الدينية والمرجعية القبلية لتنظيم حياتهم الاجتماعية والسياسية منذ آلاف السنين.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!