كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

لمحة خصبة عن وليد الكعبة

لمحة خصبة عن وليد الكعبة


بمناسبة الولادة العلويّة الميمونة نشير هنا بصورة مقتضبة إلى مزايا الإمام عليّ بن أبي طالب سلام الله عليهما وخصوصيّاته المقتبسة من الأخبار والمنتقاة من الآثار، ونبدأ على بركة الله من بواكير عمره وإطلالة ولادته وننتهي بشهادته:
١- ولد عليه السلام في بيت الله (الكعبة المشرّفة). وهذا ممّا اشتهر وتواتر، وقد اعترف بذلك المخالف والمؤالف، وبهذه الشهادة الجامعة كفينا مُؤْنة الاستدلال عليها، ولا شأن لنا بالشاذ من الآراء الفاقدة للتحقيق والإنصاف.
٢- إنّه عليه السلام أوّل من آمن بدعوة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ورسالته الخاتمة، وعدّ ضمن أوائل المؤمنين بالرسالة المحمّديّة من غير البالغين، وكان لصيقاً بالنبيّ حيث ترّبى في بيته وعلى يديه وتعبّد معه في غار حراء واقتفى أثره ودافع عنه. وقد جعله النبيّ يوم الدار خليفته على قومه وصيّره نائبه يوم الإنذار حينما أنذر (عشيرته الأقربين).
٣- لقد فدى الحبيب المصطفى وحماه يوم خرج مرغماً مهاجراً موطّناً نفسه للصعوبات، فبات في فراشه ليموّه على أعدائه كفّار قريش العتاة.
٤- زوّجه سيّد الكونين بأمر خالقه من ابنته الطاهرة فاطمة سيّدة نساء العالمين، فكان بيت الكامل والكاملة بيت العصمة والطهارة والهناء، وفيه نزلت آية التطهير على أصحاب الكساء النجباء.
٥- شجاعته الفائقة التي أبهرت العقول وحيّرت الفحول سواء ما كان منها يوم توصيل الفواطم، أو أثناء حروب الإسلام التي وقعت في زمان نبيّ الأُمّة وزمان خلافته عليهما الصلاة والسلام.
٦- صبره وثباته وتحملّه وطاعته لأوامر وتوصية سيّده ونبيّه وأخيه الرسول المعظّم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقد تجرّع نتيجة ذلك غصص المرارة، واحتسب فأمسك يده، وانتظر فرج السماء، فشابهت محنته محنة الأنبياء والمرسلين، وكان صنيعه نعم صنيع الصابرين المنتظرين.   
٧- اختصاصه بمؤاخاة طه المختار له، وتُعدّ هذه الحادثة (يوم المؤاخاة المشهور) منقبة لحيدر الكرار دون بقيّة الصحابة.
٨- أعلن سيّد الثقلين أنّ منزلة عليّ منه كمنزلة النبيّ هارون من النبيّ موسى عليهم أجمعين صلوات ربّ العالمين.
وناهيك بهذا الإعلان من فضيلة راقية لأمير المؤمنين تُلجم أفواه المناوئين والحاقدين.
٨- جعله النبيّ الزكيّ نفسه المطهّرة في يوم المباهلة كما قصّ ذلك علينا القرآن الكريم والسنّة الشريفة.
وهذا الحدث التاريخي خير شاهد على قربه وإلتحامه بسيّد الأنبياء كما أنّه خير معين لفضح الأدعياء. 
٩- هو الخليفة الوصيّ حيث توالت أحاديث وكلمات البشير النذير وإخباراته أنّ عليّاً هو خليفته ووصيّه وختمها في يوم الغدير يوم أمرته السماء فأصحر بأنّه وليّ المسلمين وطلب منهم بيعته ومناصرته وعدم خذلانه، فقام المسلمون زرافات ووحداناً يبايعونه بالإمرة عليهم.
١٠- هو الوصيّ حقاً، حيث لم يدّع أحد بعد رحيل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه الوصيّ (الموصى إليه بالخلافة العظمى والإمامة الكبرى) غيره عليه السلام.
وبما أنّه الصادق الصدوق والصاحب المؤتمن والصُدّيق الأكبر بعد سيّد البشر، فإنّ التوقّف في قبول قوله الثابت صدوره عنه إنحراف وشطط وإنكاره ضلال وتخبّط.
١١- إنّه الصحابي الوحيد الذي قام بتغسيل الرسول الأكرم بعد وفاته وباشر بمسّ جسده المطهّر.
١٢- لفظة (شيعة عليّ) أطلقها الرسول الأعظم على من يتابع وصيّه عليّ المرتضى ويقتدي به، وقد اكتسبت شرعيّتها في حياة الرسول وشاع إطلاق هذه التسمية (شيعة عليّ) على بعض الصحابة ممّن اختصّ بملازمة الإمام زوج البتول الهمام واحتذى به منهم على سبيل المثال لا الحصر المقداد وسلمان وجندب وعمّار رضي الله عنهم وأرضاهم، ثمّ انتشرت لفظة (شيعة عليّ) بصورة أوسع أثناء تولّي أمير المؤمنين السلطة وتمدّدت بعد شهادته.
١٣- نكران الذات وإيثار تقديم مصالح الإسلام ونصرة الدِّين والتضحية بالقضايا الشرعيّة الخاصّة المرتبطة بحقوقه وحقوق أهل بيته عليهم سلام الله وبركاته، فكان يمارس ذلك على عدّة مستويات وفي جملة من المحطّات منها: الوقائع (الحروب والغزوات)، و إعطاء النصيحة للمستولين على الحكم، ودوره يومئذٍ في نصرة العقيدة، بمقدار ما سمح له به، بردّ الشبهات وإبطال الإشكالات.
وبطبيعة الحال لم يكن القصد من هذه الممارسات والفعّاليّات إسقاط حقّه في الولاية ونسيان إرثه في الخلافة، وإنّما كان ذلك بمثابة تأجيل مرحلة الإلحاح بالمطالبة وإرجاء الإصرار المتواصل على شجب الحكم القائم لبروز ظروف قاهرة على الساحة وتوالي فتن متلاحقة.
١٤- تفرّده بيقين وتوحيد وعبادة، ينعدم توفّر نظيرها عند أحد من الخليقة عدا أخيه ومربيه الأمين وبعض من اصطفاه الله عزّ وجلّ لرسالته في العالمين.
١٥- علمه الذي ذاع صيته في الأقطار وطار ذكره في الآفاق حتّى فاق علمه علم بعض الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كونه باب مدينة العلم النبويّة والحكمة الياسينيّة.
علاوة على ذلك، فلم يقتصر علمه عليه السلام على مستوى الفقه الشرعي والتفسير والعقيدة، بل تجاوز ذلك إلى الأمور المستقبلية والشؤون الملحميّة.
١٦- براعة بلاغته. وهذه الموهبة لا يشكّ بتواجدها فيه إلّا من أصابت عقله لوثة، أو أطبقت على ذهنه العصبيّة. 
١٧- زهده الذي قصر مثيله، فقد شابه زهد أبي السبطين في الملبس والمشرب والمأكل زهد نبيّ الرحمة وزهد بعض الأنبياء العظام، وقد بزّ الأقران فيه، وحجب العوام من الإقتراب منه، وإن كان هناك الكثير من غير المعصومين من يحاول التأسي بزهده ومحاكاة سيرته، لكن هيهات أن يقرّ العقلاء لهم بذاك.
١٨- عدله في الحكم والعطاء والقتال والقضاء أشهر من أن نسطّر هنا ما ورد في سيرته العطرة ونُذكّر ما جاء في النصوص المأثورة، ولولا خشية الإطالة لدوّنت لكم باقة منها، ولذا سأعتمد على نباهتكم ومثابرتكم في ملاحقة منابعها.
هذا، ولم يفارقه هذا العدل وتوصيته به حتّى وهو مُمدّد على فراش الشهادة وقرب الرحيل لدار السعادة.
١٩- تطبيقه الشريعة الحقّة، بحسب الوسع والإمكان والطاقة، وبيان ما للحاكم والمحكوم (الراعي والرعيّة) من حقوق وواجبات، وكذلك حبّه الشديد لهداية البشريّة إلى السبيل المستقيم وسعيه الحثيث لإرشاد الأمم إلى مكارم الأخلاق والشرع القويم.
٢٠- شهادته عليه السلام كانت على يد أحد أشقياء الدهر وعتاة العصر لعنه الله وخلدّ في جهنّم مثواه.
والمفارقة أنّ صورة شهادته شابهت نوعاً ما صورة ولادته، حيث إنّه ضرب على هامته الكريمة في بيت الله (المسجد الجامع) وعلى إثر هذه الضربة اللئيمة المفجة للقلوب الموجعة للضمائر فارق الدّنيا الدنيّة بعد بضعة ليال مظلمة وجاور رحمة ربّه الواسعة ونعمه العميمة ورأفته المرضيّة. 
في ختام هذه السطور اليسيرة نتساءل بصدقٍ وحرقة ما بال المرء يترك شخصية لا عديل لها إلّا رسل الله البرّرة، ويدير ظهره لكائن رسالي يمتلك ما تقدّم عرضه من الخصال ويتلّفع بتلك الصفات ويستحوذ بحقّ على تلك السمات، سوى من تركنا ذكرها، ويذهب إلى فردٍ فاقد لها، ويعجز عن التوصّف بها؟
فهل من الرشاد والحنكة أن يُترك العالم العادل العابد الرؤوف الحكيم المسدّد ويُقتدى بمن لا يُقاس به ولا يدنو من جنابه؟ ما لكم كيف تحكمون؟
هدانا الله سبحانه وتعالى وإيّاكم لما يحبّ ويرضى في كلّ حين وثبّتنا على ولاية الطاهرين آمين آمين

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!