كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

عودة منطق القوة: فنزويلا نموذجًا لانهيار العدالة الدولية

عودة منطق القوة: فنزويلا نموذجًا لانهيار العدالة الدولية

في عالمٍ يُفترض أنه محكوم بالقانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان، تتكشّف الوقائع يومًا بعد يوم عن حقيقة مقلقة: من يمتلك القوة يفرض إرادته، ومن يفتقدها يُترك لمصيره. ما يجري في فنزويلا اليوم ليس استثناءً، بل مثالًا صارخًا على عودة "قانون الغاب" بصيغة حديثة، تُغلَّف بشعارات الديمقراطية وحماية الأمن والسلم الدوليين.
منذ نهاية الحرب الباردة، رُوِّج لفكرة نظام عالمي جديد قائم على التعددية واحترام السيادة، لكن الأحداث أثبتت أن هذا النظام يعمل بانتقائية شديدة. فحين قررت الولايات المتحدة وحلفاؤها غزو العراق في 20 آذار/مارس 2003، تم ذلك دون تفويض واضح من مجلس الأمن، وبحجج ثبت زيفها لاحقًا. ملايين الضحايا، دولة مدمّرة، وإرهاب عابر للحدود، دون أي مساءلة حقيقية لمن اتخذ القرار.
وفي 7 تشرين الأول/أكتوبر 2001، بدأت الحرب على أفغانستان تحت شعار "مكافحة الإرهاب". عشرون عامًا من العمليات العسكرية انتهت في آب/أغسطس 2021 بانسحاب مرتبك، تاركة خلفها بلدًا منهكًا وشعبًا دفع ثمن صراع لم يكن طرفًا فيه. مرة أخرى، تغيب المحاسبة، ويُطوى الملف سياسيًا.
ليبيا لم تكن أوفر حظًا. ففي 19 آذار/مارس 2011، تحوّل قرار دولي لحماية المدنيين إلى تدخل عسكري مباشر أسقط الدولة، وفتح الباب أمام فوضى مستمرة حتى اليوم. المثال الليبي يوضح كيف يمكن تحريف قرارات الأمم المتحدة لخدمة مصالح جيوسياسية، لا إنسانية.
وفي أوكرانيا، منذ ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم اندلاع الحرب الواسعة في 24 شباط/فبراير 2022، يظهر التناقض الفاضح في التعامل مع القانون الدولي؛ حيث تُفرض عقوبات صارمة على طرف، بينما تُغضّ الطرف عن انتهاكات أطراف أخرى في نزاعات مختلفة.
أما في غزة، وخاصة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فإن مشاهد القتل والدمار بحق المدنيين، وسط عجز دولي واستخدام متكرر لحق النقض، تكشف بوضوح أن حياة الإنسان لا تُقاس بمعيار واحد، بل بهوية الضحية وموقعها السياسي.
في هذا السياق، تأتي فنزويلا كأحدث ضحايا هذا النظام المختل. فمنذ 2017، فُرضت عليها عقوبات اقتصادية خانقة، تصاعدت بشكل حاد بعد كانون الثاني/يناير 2019 مع الاعتراف برئيس موازٍ وفرض حصار مالي وسياسي غير مسبوق. هذه الإجراءات لم تُسقط نظامًا بقدر ما أرهقت شعبًا كاملًا، ودفعت ملايين الفنزويليين إلى الفقر والهجرة. ثم جاءت محاولات زعزعة الاستقرار، مثل أحداث 2019 ومحاولة الإنزال المسلح في أيار/مايو 2020، لتؤكد أن تغيير الأنظمة بالقوة أو عبر الحصار بات أداة مشروعة في عرف القوى الكبرى.
كل هذه الوقائع تقود إلى سؤال جوهري: ما جدوى القانون الدولي إذا كان يُطبَّق على الضعفاء فقط؟ وما دور الأمم المتحدة إذا كانت عاجزة عن حماية الشعوب من سطوة الدول النافذة؟ الأخطر من ذلك أن الإرهاب لم يعد حكرًا على جماعات خارجة عن القانون، بل بات يُدار أحيانًا برعاية غير مباشرة من منظومة دولية فقدت بوصلتها الأخلاقية.
إن الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي يُفترض أن تمثل ضمير العالم، تبدو اليوم أسيرة توازنات القوة والضغوط السياسية. إصلاحها بات ضرورة، لكن ربما لم يعد كافيًا. فإعادة بناء منظومة دولية جديدة، أكثر عدالة واستقلالًا، ونقل مراكز القرار إلى فضاءات غير خاضعة لهيمنة طرف بعينه، قد يكون الخيار الوحيد لاستعادة الثقة.
فنزويلا ليست المشكلة، بل المرآة. مرآة تعكس عالمًا يبتعد أكثر فأكثر عن القيم الإنسانية، ويقترب بخطى ثابتة من شريعة الغاب. والسؤال الذي يبقى: إلى متى؟

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!