بعد بيان ما يتعلق بذلك الاستشراف الزينبي في الحلقة الثالثة السابقة المتعلقة بخلود النهضة الحسينية وهلاك أعدائها في المرحلة الثانية وهي (الوعد الزينبي) ليزيد وكُلِّ الطغاة الذين يريدون محاربة النهضة الحسينية ورجالها وأشياعها إلى آخر الدهر.
وقد تمثَّل هذا الوعد الاستشرافي الزينبي في القسم العظيم لها (فواللهِ) وقد أبرَّ الله لها ذلك القسم الصادق، الصادح من هذه المجاهدة العظيمة برغم جراحها التي لا تتحمل الجبال الراسيات، وقد تضمَّن القَسَم المبارك موارد أربعة تحدثنا عن اثنين منها في الحلقة السابقة وهما (١- لا تمحو ذِكرنا. ٢- ولا تميتُ وَحْيَنا).
ننتقل في هذه الحلقة لإكمال الموردين الأخيرين وهما :
٣- (ولا تُدْرِك أَمَدَنا).
لقد كان من أهداف الأمويين منذ أن استسلموا بعد دخول النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مكلَّلًا بنصر الله والفتح هو الكيد في أي مناسبة يمكنهم ذلك، وتاريخ عدائهم للنبي والوصي وولديه الحسن والحسين (عليهم السلام) مما لا خفاء فيه، ولا غبار عليه لكُلِّ مُطَّلع على التاريخ الإسلامي، وقد تجلِّى ذلك في مواقف متعددة، كانت من أشنعها وأسوئها ما جرى يوم عاشوراء من قبل جيش بني أمية ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان، حيث كان الهدف الأول القضاء على هذا الوجود (النبوي-الحسيني) الذي طالما أكده النبي (حسين مني وأنا من حسين)، فجرى في ذلك اليوم مما أخزى صفحات تاريخ الأمويين ظنًّا منهم القضاء على ذلك النور، ولكن ((وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)) [التوبة: ٣٢]، حيث أمد ومقام هذه النهضة الحسينية المباركة لا يمكن لأمثال هؤلاء الأدعياء القضاء عليها، فلا ينفعهم ما قاموا به من قتل سيد شباب أهل الجنة وأهل بيته وأصحابه، وسبي نسائه وأخذهم أسارى إلى قصر الأمويين في الشام، والترنُّم بكلمات الكفر وإنكار الشريعة (لَعِبَتْ هَاشِمٌ بِالمُلْكِ - فَلَا خَبَرٌ جَاءَ وَلا وَحْيٌ نَزَل)، فقد هدَّمت كيانهم تلك العقيلة الحوراء حاملة لواء الطف بعد أخيها، وبيَّنت خزيهم وسوء أفعالهم، وفضحتهم أما الناس والتاريخ، ولم يستطع أحد من الطغاة وأولياء الأمويين على مدى التاريخ أنْ ينال من آل محمد (عليهم السلام) ويُنْهِي وجودهم، أو يدرك ثأره فيهم، فلقد خَلُدت نهضتهم وسيرتهم في ضمائر الأمة ولا زالت تبعث في الأمة روح الإسلام والإيمان والتضحية في سبيل الدين، وفاءً للوعد الزينبي الصادق وصرختها في وجه الطغاة.
٤- (وَلا تَرْحَضْ عنكَ عَارَهَا).
إنَّ يزيد لم يَنَل من عدائه وقتله للإمام الحسين (عليه السلام) وما فعله بأهل بيته إلا الذل والغزي والهوان على مدى التاريخ، بل اللعنات التي تنهال عليه آناء الليل وأطراف النهار، وهذا هو (العار الحقيقي) الذي تحدثت عنه بطلة كربلاء، ولا يمكن يزيد وأعوانه وأمواله وأقلامه المأجورة وإعلامه الأموي أنْ يغسل ويمحي ذلك العار أبدًا، فالتاريخ قد كتب ذلك بأحرفه التي لا يمكن أنْ يصيبها الفتور والتحريف.
فهذا (ابن حجر الهيتيمي) ينقل في كتابه (الصواعق المحرقة) بعض ما ورد في شأن يزيد: ((قالت طائفة إِنَّهُ كَافِرٌ؛ لِقَوْلِ سِبْطِ ﭐبْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ، الْمَشْهُوْرُ أَنَّهُ لَمَّاجَاءَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ "رَضِيَ اللهُ عَنْهُ" جَمَعَ أَهْلَ الشَّامِ، وَجَعَلَ يَنْكُتُ رَأْسَهُ بِالْخَيْزُرَانِ، وَيُنْشِدُ أَبْيَاتَ ﭐبْنِ الزِّبَعْرَى (لَيْتَ أَشْيَاخِيْ بِبَدْرٍ شَهِدُوُا ... ) الْأَبْيَاتُ الْمَعْرُوْفَةُ، وَزَادَ فِيْهَا بَيْتَيْنِ مُشْتَمِلَيْنَ عَلَى صَرِيحِْ الْكُفْرِ.
ثُمَّ رَوَى ﭐبْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ القَاضِيْ أَبِيْ يَعْلَى الْفرَّاءِ أَنَّهُ رَوَى فِيْ كِتَابِهِ الْمُعْتَمَدِ فِي الْأُصُوْلِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى صَالِحَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ قَالَ: قُلْتُ لَأَبِيْ إِنَّ قَوْمًا يَنْسِبُوْنَنَا إِلَى تَوَلِّيْ يَزِيْدَ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ وَهَلْ يتَوَلَّى يَزِيْدَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِالله، وَلِمَ لَا يُلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ فِيْ كِتَابِهِ؟
فَقُلْتُ: وَأَيْنَ لَعَنَ اللهُ يَزِيْدَ فِيْ كِتَابِهِ؟
فَقَالَ: فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوْا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوْا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)، فَهَلْ يَكُوْنُ فَسَادٌ أَعْظَمُ مِنَ الْقَتْلِ، وَفِيْ رِوَايَةٍ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا أَقُوْلُ فِيْ رَجُلٍ لَعَنَهُ اللهُ فِيْ كِتَابِهِ فَذَكَرَهُ)).
وهذا محمود الآلوسي في تفسيره للآية المباركة: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] في بيان ما يتعلق باللعن: ((وعلى هذا القول لا توقُّفَ في لعن يزيد؛ لكثرة أوصافه الخبيثة، وٱرتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه، ويكفي ما فعله أيام ٱستيلائه بأهل المدينة ومكة .... وقد جزم بكفرهِ وصَرَّحَ بلعنه جماعة من العلماء، منهم الحافظ ناصر السنة ٱبن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى، وقال العلامة التفتازاني: لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله تعالى عليه، وعلى أنصاره، وأعوانه، وممن صَرَّحَ بلعنه الجلال السيوطي عليه الرحمة ..إلخ)).
والأقوال في ذلك كثيرة، ويكفي زيارة عاشوراء التي يتلوها الآلاف مدى الدهر ولعنهم لذلك اللعين ابن اللعين، وهو مصداق للوعد الزينبي الخالد.
أخيرًا ..
هذا ما كان من القَسَم الزينبي والاستشراف التاريخي لما سيجري على الطاغية يزيد تجاه النهضة الحسينية الخالدة، والتي ستبقى كذلك حتى يدرك الثأر صاحبه الإمام المهدي (عليه السلام).. والسلام

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!