ليس كلُّ هدوءٍ حكمة، ولا كلُّ صوتٍ ناعمٍ صدقًا، ولا كلُّ وجهٍ مطأطئٍ تواضعاً.
فثمّة نوعٌ من الناس، يأتيك متلفّعاً بثوب الوقار، يحمل في يده سبحة الكلمات، وفي لسانه مقدّمةً وعظيةً مطمئنة، حتى إذا استأنستَ لصوته، وأمنتَ لخطابه، نفث سمَّه بهدوءٍ عجيب.
يقول: نحن لا نتّهم… ثم يتّهم. نحن فقط نحذّر… ثم يجرح. سمعنا، وقيل لنا، وبلغنا…
وكأنّ الغيبة إذا غُلّفت بعباراتٍ رخوة صارت نصيحة، وكأنّ البهتان إذا خرج همساً
صار أمانة.
هو لا يصرخ، ولا يشتم، ولا يواجه، بل يزرع الشكّ زرعاً، ويغرس الريبة غرساً،
ثم يمضي وقد ألقى في القلوب ناراً ويحسب نفسه مصلحاً.
ذاك هو الناصح الخبيث؛ تلميذ مدرسة الشيطان، تعلّم منه كيف يُفسد باسم الإصلاح،
وكيف يطعن وهو يبتسم، وكيف يهدم الأخوّة وهو يرفع شعار الغيرة.
ليس قصده الحق، ولا همّه الإصلاح، بل دافعه نفسٌ مريضة، تغذّت على الحسد، وتربّت على إقصاء الآخرين، فلمّا عجزت عن المواجهة، احترفت الهمس.
وهنا وقفة تربية ونصيحة: إلى من اتّخذ النصيحة ستاراً، والغيبة رسالة، والتحذير وسيلة لتصفية الحسابات: اتّقِ الله تعالى في كلماتك، فالكلمة قد تهدم ما لا تهدمه المعاول.
واعلم أنّ الإصلاح لا يكون في الظلام، ولا بالمنقولات المجهولة، ولا بـ قالوا وسمعنا.
فمن أراد الحقّ واجهه بوضوح، ومن خاف الله تعالى ـ بحق ـ صان لسانه عن أعراض عباده.
وإلى من يسمع هؤلاء: لا تجعل أذنك مأوى لكل همس، ولا قلبك مخزناً لسموم الآخرين.
اسأل عن الدليل، وتثبّت من المقصد، وتذكّر أن الشيطان أول ما دخل على الناس دخل من باب النصيحة.
أما النصيحة الصادقة، فمعروفة الملامح: واضحة، مباشرة، خالية من التشهير، تُقال لصاحبها لا عنه، وتُراد بها نجاته لا سقوطه.
في زمنٍ كثرت فيه الأقنعة، نحتاج إلى بصيرةٍ تميّز بين الواعظ الأمين والناصح الخبيث.
فليس كل من قال: أنا ناصح كان ناصحاً، وليس كل همسٍ رحمة، فبعض الهمس سمٌّ بطيء… إذا دخل القلوب أفسدها بصمت.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!