يمرَ العالمُ اليومَ بتحولاتُ كبرى سياسيةٌ واقتصاديةٌ وعسكرية، فرضتها التطوراتُ التكنولوجيةُ المتسارعةُ خلالَ العقودِ الأخيرة، وهيَ تطوراتٌ أدتْ إلى تقييدِ العديدِ منْ الوظائفِ التقليدية، بلْ وإلغائها- في كثيرٍ منْ الأحيان- وتبرزَ خطورةُ هذهِ المتغيراتِ بشكلٍ أوضحَ في الدولِ التي تعتمدُ على موردٍ ماليٍ واحد، كالنفط، ومنْ بينها العراقُ ، ولا سيما في ظلِ العراقيلِ الداخليةِ والتدخلاتِ الدوليةِ التي تعيقُ تنويعَ منافذِ مواردها الماليةِ ، وإنَ لمْ نتداركْ أنفسنا، فسينطبقُ علينا المثلُ الشعبي القائل: :( راحَ الخيطُ والعصفورُ) الذي يروي حكايةَ طفلٍ طارَ عصفورهُ رغمَ ربطهِ بخيط، فبررَ ذلكَ ببراءتهِ قائلا: إنَ الخيطَ والعصفورَ هربَ معا، في إشارةٍ إلى ضياعِ الفرصةِ وانفلتِ الأمرِ كله.
في بعض الأحيان، أطالعُ ،بعضَ الوثائقِ التاريخيةِ عنْ عراقِ خمسينياتِ القرنِ الماضي، فألمسُ بداياتُ خروجهِ منْ قرونِ منْ التهميشِ العثماني، رغمَ الفقرِ والمرضِ وضعفِ البنيةِ التحتية، حيثُ اقتصرَ دورُ الولاةِ آنذاكَ على جبايةِ الأموالِ وإرسالها إلى إسطنبول، ومعَ قيامِ المملكةِ العراقية، ظهرتْ مؤشراتِ نهوضِ لافتة؛ فقدْ قدمَ العراقُ ، قروضا لبعض الدول، وصدرَ التمورَ والحنطةَ والجلودَ وبعضَ الصناعاتِ البسيطةِ والحرفِ اليدويةِ كالسجادِ والألبسة الرجاليةِ إلى الخارج. وبرغمَ تواضعِ هذهِ المنتجات، استطاعتْ منافسةَ المستوردِ ومنحتْ الاقتصادَ العراقيَ حضورا معتبرا.
اليوم، وبعدٌ أنْ أنعمَ اللهُ على بلادنا بثروةِ النفطِ منذُ ثلاثينياتِ القرنِ الماضي، لمْ يعدْ مقبولاً الاكتفاءَ بتصديرهِ خاما، بلْ يجبُ تحويلهُ إلى منتجاتٍ صناعيةٍ ذاتِ قيمةٍ مضافةٍ تنافسَ الأسواقِ العالمية، بدلُ الارتهانِ لتقلباتِ أسعارِ النفطِ وربطها برواتبِ الدولةِ، فالبلد، بحاجةِ إلى إدارةٍ اقتصاديةٍ رشيدة تقوم على ترشيدِ الإنفاق، ودراسةُ أوجهِ الصرف، والتعاملُ معَ العالمِ بعقليةٍ اقتصاديةٍ واعيةٍ تحفظَ ثرواتِ البلدِ وتمنعُ هدرها. وإلا فإننا سنكونُ مصداقا للمثلِ العراقيِ القائل: (الليُ ما يعرفُ تدابيره، حنطتهُ تأكلَ شعيرهُ ) ، وهوَ مثلٌ يضربُ لمنْ يفتقرُ إلى الحكمةِ وحسنِ التدبيرِ في شؤونِ حياته، فيؤدي سوءُ إدارتهِ وعدمِ إدراكهِ لواقعِ أمورهِ إلى ضياعِ أموالهِ وتبددُ مكاسبه، فتذهبُ أرباحهُ وخسائرهُ هباءً نتيجةِ تصرفاتهِ الخطأَ وقلةَ تقديرهِ للعواقب.
تبرزَ الحاجةُ إلى إصلاحٍ جذريٍ يعيدُ هيكلةَ مؤسساتِ الدولةِ بمساندةِ خبراءِ الاقتصادِ والقانونِ والمال، لبناءِ دولةٍ تخططُ لمستقبلها وتؤمنُ احتياجاتُ شعبها الأساسيةَ لعقودٍ قادمة. يبدأ ذلك بترشيد المؤسسات العامة، سواء المدنية أو العسكرية، وإشراك القطاع الخاص بشكل فعّال في إدارة الخدمات، لا سيما في قطاعات الطاقة والمياه والكهرباء. كما يشمل ذلك إجراء إصلاح شامل للنظام الإداري، من خلال توحيد سن التقاعد عند ستين عامًا لكافة مؤسسات الدولة، وتحديد سقوف موحدة للرواتب في حدودها العليا، وإلغاء جميع القوانين الاستثنائية. ومواكبة التحولات العالمية في مجالات الطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة، وإلا فقد نجد أنفسنا بعد سنوات مضطرين للجوء إلى القروض الدولية لتلبية احتياجات شعبنا.
من هنا، يصبح من الضروري توجيه الجهود نحو بناء عقل اقتصادي واعٍ ، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، بدلًا من الانشطارات الإدارية بين الدوائر المدنية والعسكرية، التي تزيد العبء على مؤسسات الدولة. ولا يُعدّ عيبًا أو نقصاً، في الاستعانة بالخبرات الأجنبية، لإدارة بعض المرافق والخدمات العامة، بما في ذلك تفويض إدارة محافظة ما لشركة متخصصة، كبديل عن تغيير المحافظين كل بضعة أشهر. فالممارسة الحالية التي أثبتت فشلها، تقصر المنصب على الشيوخ والتجار وأصحاب النفوذ، دون تحقيق نتائج ملموسة، دون الاستفادة من أبناء المحافظة الآخرين من ذوي الخبرة والكفاءة لعدم امتلاكهم السند الحزبي أو العشائري الداعم لهم .

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!