كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

التشبيه في القرآن الكريم

التشبيه في القرآن الكريم

الوصف بأنّ أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه، ناب منابه أو لم ينب، وقد جاء فى الشعر وسائر الكلام بغير أداة التشبيه  ، أي : صفة الشيء بما قاربه وشاكله، ومن جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من جميع جهاته؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه ،  وبين بانه عبارة عن العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حال أو عقد، وهذا هو التشبيه العام الذي يدخل تحته التشبيه البليغ وغيره، والتشبيه تشبيهان: تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما كتشبيه الجوهر بالجوهر، كقولك: ماء النيل مثل ماء الفرات، وتشبيه العرض بالعرض كقولك: حمرة الخد كحمرة الورد، وتشبيه الجسم بالجسم كقولك: الزبرجد مثل الزمرد، وتشبيه شيئين مختلفين بالذات يجمعهما معنى مشترك بينهما: كقولك، حاتم كالغمام، وعنترة كالضرغام، والتشبيه المتفق تشبيه حقيقة، والتشبيه المختلف تشبيه مجاز للمبالغة. وحد التشبيه البليغ إخراج الأغمض إلى الأظهر بالتشبيه مع حسن التأليف، ووقوع حن البيان فيه على وجوه ، هو الدلالة على مشاركة شيءٍ لشيءٍ في معنىً من المعاني أو أكثر على سبيل التطابق أو التقارب لغرضٍ ما ولا يكون وجه الشبه فيه منتزعاً من متعدد . وللتشبيه روعة وجمال، وموقع حسنٌ في البلاغة: وذلك لإخراجه الخفي إلى الجلي، وإدنائه البعيد من القريب، يزيد المعاني رفعة ووضوحاً ويكسبُها جمالا وفضلا، ويكسوها شرفا ونُبلا، فهو فن واسع النطاق، فسيح الخطو، ممتدُ الحواشي مُتَشعب الأطراف مُتوعر المسلك، غامض المدرك، دقيق المجرى غزير الجدَوى ، ومن جماليات التشبيه في القرآن الكريم كما في قوله تعالى:{ والْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [سورة يس: 39]، بمعنى:  وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ذا منازل حَتَّى عادَ في آخر منزله كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ وهو عود الشّمراخ إذا يبس اعوجّ  ،المقصود بـ (المنازل) تلك المستويات الثمانية والعشرون التي يطويها القمر قبل الدخول في «المحاق» والظلام المطلق. لأنّ القمر يمكن رؤيته في السماء إلى اليوم الثامن والعشرين، ولكنّه يكون في ذلك اليوم هلالا ضعيفاً مائلا لونه إلى الإصفرار، ويكون نوره قليلا وشعاعه ضعيفاً جدّاً، وفي الليلتين الباقيتين من الثلاثين يوماً تنعدم رؤيته تماماً ويقال: إنّه في دور (المحاق)، ذلك إذا كان الشهر ثلاثين يوماً، أمّا إذا كان تسعة وعشرين يوماً، فإنّ نفس هذا الترتيب سيبدأ من الليلة السابعة والعشرين ليدخل بعدها القمر في (المحاق)،تلك المنازل محسوبة بدقّة كاملة، بحيث أنّ المنجّمين منذ مئات السنين يستطيعون أن يتوقّعوا تلك المنازل ضمن حساباتهم الدقيقة، هذا النظام العجيب ينظّم حياة الإنسان من جهة، ومن جهة اُخرى فهو تقويم سماوي طبيعي لا يحتاج إلى تعلّم القراءة والكتابة لمتابعته. بحيث أنّ أيّ إنسان يستطيع بقليل من الدقّة والدراية في أوضاع القمر خلال الليالي المختلفة . يستطيع بنظرة واحدة أن يحدّد بدقّة أو بشكل تقريبي أيّة ليلة هو فيها، ففي الليلة الاُولى يظهر الهلال الضعيف وطرفاه إلى الأعلى، ويزداد حجمه ليلة بعد ليلة حتّى الليلة السابعة حيث تكتمل نصف دائرة القمر، ثمّ تستمر الزيادة حتّى تكتمل الدائرة الكاملة للقمر في الليلة الرابعة عشرة ويسمّى حينئذ «بدراً». ثمّ يبدأ بالتناقص تدريجياً حتّى الليلة الثامنة والعشرين حيث يصبح هلالا باهتاً يشير طرفاه إلى الأسفل، وفي الحقيقة فإنّ الشبه بين العرجون والهلال من جوانب عديدة: من ناحية الشكل الهلالي، ومن ناحية اللون الأصفر، والذبول، وإشارة الأطراف إلى الأسفل، وكونه في وسط دائرة مظلمة تكون في حالة العرجون منسوبة إلى سعف النخل الأخضر، وبالنسبة للهلال منسوبة إلى السماء المظلمة، والوصف بـ (القديم) إشارة إلى كون العرجون عتيقاً، فكلّما مرّ عليه زمن وتقادم أكثر أصبح ضعيفاً وذابلا واصفّر لونه وأصبح يشبه الهلال كثيراً قبل دخوله المحاق.نعم، فإنّ النظم يشكّل أساس حياة الإنسان، والنظم بدون التعيين الدقيق للزمن ليس ممكناً، لذا فإنّ الله سبحانه وتعالى قد وضع لنا هذا التقويم الدقيق للشهور والسنين في كبد السماء . والمشابهة بين القمر والعرجون القديم ليست في كل الأحوال وأطواره أنما تكون المشابهة بين أول الشهر وآخره على اختلاف في قوة الشبه بينهما في هذين الوقتين .
 
 ومن جماليات التشبيه أيضاً قوله تعالى:{ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[سورة الجمعة:5]،  أي ان الحمار يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها ولا يعمل بها كذلك بنو إسرائيل قد حملوا مثل الحمار لا يعلمون ما فيه ولا يعملون به ،لا يشعر هذا الحيوان بما يحمل من كتب إلا بثقلها ، ولا يميز بين أن يكون المحمول على ظهره خشب أو حجر أو كتب فيها أدق أسرار الخلق وأحسن منهج في الحياة .لقد اقتنع هؤلاء القوم بتلاوة التوراة واكتفوا بذلك دون أن يعملوا بموجبها .هؤلاء مثلهم كمثل الحمار الذي يضرب به المثل. وذلك أوضح مثال يمكن أن يكشف عن قيمة العلم وأهميته . ويشمل هذا الخطاب جميع المسلمين الذين يتعاملون بألفاظ القرآن دون إدراك أبعاده وحكمه الثمينة .وشبه الله عزو جل اليهود الذين حملوا أمانة التوراة علما بها ثم عملا وتبليغا فلم يحملوا هذه الأمانة بالحمار الذي يحمل أسفار العلم والحكمة وهو جاهل بها .

 
المصادر:-
  الصناعتين، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (ت: نحو 395هـ)،تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: المكتبة العنصرية – بيروت، عام النشر: 1419 ه.
 العمدة في محاسن الشعر وآدابه: أبو على الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي (المتوفى: 463 هـ)، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميدالناشر: دار الجيل، الطبعة: الخامسة، 1401 هـ - 1981 م.
  تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، عبد العظيم بن الواحد بن ظافر ابن أبي الإصبع العدواني، البغدادي ثم المصري (ت: 654هـ)،تقديم وتحقيق: الدكتور حفني محمد شرف، الناشر: الجمهورية العربية المتحدة - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي.
  البلاغة العربية، عبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني الدمشقي (ت: 1425هـ)،الناشر: دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1416 هـ - 1996 م.
 جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع: أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي (ت: 1362هـ)،ضبط وتدقيق وتوثيق: د. يوسف الصميلي، الناشر: المكتبة العصرية، بيروت: 219
  الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ( تفسير الواحدي )،الواحدي النيسابوري(ت: 468ه)، تحقيق: داوودى ، صفوان عدنان، دار القلم - لبنان – بيروت، الطبعة، الأولى،١٤١٥ ه . ق.
   الامثل في تفسير كتابِ اللهِ المُنزَل، الشَيخ نَاصِر مَكارم الشِيرازي، أضغط هنا :    .
  تشبيهات القرآن الكريم وأثرها في التفسير من سورة الروم آخر القرآن الكريم: عمر بن عطية الانصاري .
تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي(ت ٣٢٩ه)، تصحيح وتعليق وتقديم : السيد طيب الموسوي الجزائري، ١٣٨٧. 

  

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!