إنَّ العلاقات التي يعيشها الإنسان في الدنيا كثيرة ومختلفة، وأهمها العلاقات الأسرية بأنواعها، وأكثرها أهمية مع الوالدين (الأب والأم)، وأشدها أهمية علاقة الأبناء (بالأم).
فالأم بطبيعتها البشرية تسخِّر عاطفتها كُلَّها لأبنائها، وتجعل جميع حواسها بأقصى طاقتها في خدمتهم منذ علمِها بالحمل إلى آخر لحظات الوداع!!
فما أنْ يولد لها المولود وخصوصًا (الذكر)، حتى تستعد عَيْنَاها لتنظر إلى ثمرة قلبها فتملؤها من النظر إلى جسده كُلِّه بكُلِّ سرور وقُرَّة عينٍ، وتتمنى لو أنَّ نور عينيها يمتد لترى قلبه وتلثمه من القُبّلات، كما تفعل مع وَجْنَتَيه وشَفَتَيْه ويَدَيْه وو ..
ثم تستمر تلك النظرات الدؤوبة المشوبة باللطف والرفق والحنان لتنظر إلى عَيْنَي وَلَدِها الجميلتين اللتين صارتا تُمَيِّز وجه أمِّه عن وجوه نساء الدنيا كُلِّها، وترسم صورتها العظيمة في سجل صوره الجميلة، فتلاحق عيناه وجهَها وجسَدها ويركض خلفها، ويناديها، ويلامسها، ويُقَبِّلها وهي في جنِّةِ حُبِّها وعِشْقِها لولدِها ..
ثم تنظر إليه وهو يأكل ويفعل ما يفعل وهي مسرورة بذلك وعيناها تلاحقه!!
ثم تنظر إليه وهو يجلس .. ويمشي .. وينام .. وتغطِّيه ليلًا بفراشٍ تنسجه من عواطِفها ودموعِها لا من قماش أو خيوط!! فلا تنام وتغلق عينيها من النظر إليه حتى تتأكد أنَّ عينيه نامت بسلام وأمان!!
ثم تستيقظ وتقوم بدورتها أيامًا وليالي وسنوات ..
ثم تنظر إليه وهو يضحك مع أصدقائه .. وهو يدرس .. وهو ينجح .. وهو يتخرج .. وهو يتزوج .. وهو يحمل أطفاله .. وتبقى تلك العينان تنظر بلطف ورفق ورحمة وحنان له ولأطفاله بعد ذلك!!
ولكن .. لمَّا ماتت (أمي) ماتت كُلُّ تلك النظرات وانطفأ نور عينيها!!
ولم أستطع أنْ أرد وفاء تلك النظرات إليها!!
ولم تستطع أي صورة لها في البيت أنْ تعوِّض لحظة منها!!
لقد ماتت التي كانت نظرتُها نظرة حب ورحمة.. ودعاء وعقيدة .. وبهجة وسرور ..
الوداع الوداع لِعَيْنَي (أمي) الرحيمتين اللتين فَقَدْتُهُما اليوم إلى آخر الدهر

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!