كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

واشوقاه.. للمهدي!

واشوقاه.. للمهدي!

بسم الله الرحمن الرحيم
 
قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها * وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها * وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ (الشمس1-4).
 
لقد تكرَّر القَسَمُ في القرآن الكريم عشرات المرَّات..
كان بعضها قَسَماً بالله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ ﴿قُلْ إي وَرَبِّي﴾ ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْض‏﴾..
وكان أكثَرُها قَسَماً بمخلوقاته تعالى: من شمسٍ وقمرٍ، ونهارٍ وليلٍ، وسماءٍ وأرض، وغير ذلك ما يزيد عن 50 مرَّة.
 
لكنَّ سورة الشمس هذه تضمَّنت أحد عشر قَسَماً منه تعالى، كان أغلبها قَسَمَاً بالمخلوقات، التي أوَّلُها الشمس، وآخرها النَّفسُ التي سواها الله تعالى، ثم جاء جوابُ الشَّرط: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها﴾.
 
ولقد نهى الله تعالى عباده عن أن يقسموا بمخلوقاته، مع أنَّه أقسم بها، وقد قال الباقر عليه السلام في ذلك: إِنَّ لله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقْسِمَ مِنْ خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ، وَلَيْسَ لِخَلْقِهِ أَنْ يُقْسِمُوا إِلَّا بِهِ (الكافي ج7 ص449).
 
وسواءٌ كان القَسَمُ بهذه المخلوقات:
1. تنبيهاً لما تنبئ به وترشدُ إليه من معرفة الله وتعظيمه.
2. أو كان في القَسَم تقديرٌ أريد به الله (ورب الشمس)، فكان قَسَماً به تعالى (التبيان ج8 ص481).
أو غير ذلك من الوجوه، فإنَّ اللافت أنَّ تزكية النَّفس هذه لها طريقٌ طويلٌ، لا يمكن تجاوزه إلا بالخضوع لمن أمر الله بالخضوع لهم، وهم الذين كانت بطونُ كثيرٍ من آيات القَسَم قد نزلت في حقِّهم.. محمدٌ وآله عليهم السلام.
 
ويعتقدُ الشيعة أنَّ ما بين ربع القرآن إلى ثلثيه.. قد نزلت فيهم عليهم السلام وفي شيعتهم! (الكافي ج2 ص628، وبصائر الدرجات ج1 ص121).
 
ومن ذلك آيات سورة الشمس هذه!
ففي خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام:
الشَّمْسُ رَسُولُ الله (ص): أَوْضَحَ الله بِهِ لِلنَّاسِ دِينَهُمْ..
 
﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ قَالَ: ذَلِكَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع).
فباب هداية الله في أرضه هو رسوله المصطفى (ص)، ولا يعكس نورَه وشعاعه وعلمه وفضله بعده إلا عليٌّ عليه السلام.
 
ثمَّ يبين الإمام عليه السلام حال الأمَّة بعده (ص)، عندما سئل عن قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾.
قَالَ: ذَلِكَ أَئِمَّةُ الجَوْرِ الَّذِينَ اسْتَبَدُّوا لِلْأَمْرِ دُونَ آلِ رَسُولِ الله (ص)، وَجَلَسُوا مَجْلِساً كَانَ آلُ رَسُولِ الله (ص) أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ، فَغَشُّوا دِينَ رَسُولِ الله (ص) بِالظُّلْمِ وَالجَوْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾، قَالَ: يَغْشَى ظُلْمُهُمْ ضَوْءَ النَّهَارِ.
 
كلُّ ظلم وظلامةٍ وقهرٍ وجورٍ تعيشه الأمة اليوم هو أثرٌ من آثار الفعال القبيحة، حين منعوا نور محمدٍّ وعليٍّ عليهما السلام من أن يعمَّ المعمورة، فغشي الناس جهلٌ وظلماتٌ بعضها فوق بعض.
 
يقول أبو بصير: قُلْتُ: ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها﴾؟
قَالَ: ذَلِكَ الْإِمَامُ مِنْ ذُرِّيَّةِ فَاطِمَةَ (ع)، يُسْأَلُ عَنْ دِينِ رَسُولِ الله فَيُجَلِّي لِمَنْ يَسْأَلُهُ، فَحَكَى الله قَوْلَهُ: ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها﴾ (تفسير القمي ج‏2 ص424).
 
مع كلِّ هذا الظلام الدامس، كان الأئمة من ذريَّة الزهراء عليها السلام يُجَلُّون ويوضحون الدين لِمَن سألهم، وهي تجليَةٌ لهذا الفرد أو ذاك عندما يطلب الهداية، أي أن الطريق كان مُعبَّداً في أيام الأطهار لمن أراد أن يرى ضوء النَّهار، حيث يُبيِّنُ الإمام عليه السلام لمن أراد.
 
لكنَّ الجلاء العام، والمصداق التامّ لانطباق الآية يكشفه حديث آخر عن الباقر عليه السلام:
﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها﴾ قَالَ: ذَلِكَ الْقَائِمُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (ص)، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطاً (تفسير فرات الكوفي ص563).
 
فالنهارُ:
1. تارةً هو عِلمُ الإمام لِمَن يسأل، في زمن حضور الأئمة، أو من بلغهم قولهم في زمن الغيبة.
2. وتارةً ظهور الإمام الحجة بنفسه، فيملأها علماً بعد جهل، وعدلاً بعد جَور.
 
فَجرُ المهدي عليه السلام
 
ثمّ تتوالى الآيات الشريفة التي أريد بها الأئمة عليهم السلام..
 
منها قوله تعالى في سورة الليل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى﴾.
فعن الباقر عليه السلام: اللَّيْلُ فِي هَذَا المَوْضِعِ فُلَانٌ، غَشِيَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فِي دَوْلَتِهِ الَّتِي جَرَتْ لَهُ عَلَيْهِ، وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) يَصْبِرُ فِي دَوْلَتِهِمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ.
 
ثم قال عليه السلام في قوله تعالى ﴿وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى﴾: النَّهَارُ هُوَ القَائِمُ (ع) مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ، إِذَا قَامَ غَلَبَ دَوْلَتُهُ البَاطِلَ، وَالقُرْآنُ ضُرِبَ فِيهِ الأَمْثَالُ لِلنَّاسِ وَخَاطَبَ الله نَبِيَّهُ بِهِ وَنَحْنُ، فَلَيْسَ يَعْلَمُهُ غَيْرُنَا (تفسير القمي ج‏2 ص425).
 
هذه من بطون القرآن التي لا تُعرَفُ إلا منهم عليهم السلام، ولئن غطَّى الأرجاسُ نور آل محمدٍ ومنعوا من ظهوره إلا لأتباعهم، فإنَّ الساعة التي يتجلَّى فيها نور الهداية هي ساعة ظهور الإمام الحجة عليه السلام، عندما يملؤها قسطاً وعدلاً.
 
ومن هذه الآيات أيضاً مطلع سورة الفجر:
 
فعن الصادق عليه السلام:
وَالفَجْرُ هُوَ القَائِمُ (ع)، وَاللَّيَالِي العَشْرُ الأَئِمَّةُ (ع) مِنَ الحَسَنِ إِلَى الحَسَنِ، وَالشَّفْعُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَفَاطِمَةُ (ع)، وَالوَتْرُ هُوَ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ هِيَ دَوْلَةُ حَبْتَرٍ فَهِيَ تَسْرِي إِلَى قِيَامِ القَائِمِ (ع)‏ (تأويل الآيات الظاهرة ص766).
ويلاحظ أنَّ دولة فلان أو دولة إبليس أو دولة الباطل ستظلُّ ساريةً إلى ظهور الإمام، حينها يبزغ فجرنا بظهوره عليه السلام.
 
ومن ذلك أيضاً ما ورد في سورة الملك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك30).
فعن الإمام الكاظم عليه السلام: إِذَا غَابَ عَنْكُمْ إِمَامُكُمْ فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِإِمَامٍ جَدِيدٍ؟ (الكافي ج1 ص340).
 
وعن الرضا عليه السلام: مَاؤُكُمْ أَبْوَابُكُمْ أَيِ الْأَئِمَّةُ (ع)، وَالْأَئِمَّةُ أَبْوَابُ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾: يَعْنِي بِعِلْمٍ الْإِمَامِ (تفسير القمي ج‏2 ص379).
وهي على وزان ما تقدَّم، فتارةً يُراد بالماء الإمام بنفسه، وتارة يُراد علمُ الإمام.
 
وقد نَبَّهَنَا الإمام الكاظم عليه السلام إلى خطورة مرحلة الغياب هذه، فقال في تأويل الآية: إِذَا فَقَدْتُمْ إِمَامَكُمْ فَلَمْ تَرَوْهُ فَمَا ذَا تَصْنَعُونَ؟! (كمال الدين وتمام النعمة ج‏2 ص360).
 
ونحن نقفُ عند سؤال إمامنا هذا..
ماذا نصنعُ اليوم عند غيبةِ الحجة؟! ونحن نعلم أنَّ مِنَ النَّاس مَن ارتدَّ عن القول بإمامته عند غيبته! ومنهم من نصب لنفسه أئمة ظاهرين يأتمر بأمرهم، وما احتمل اتِّباع إمامٍ غائبٍ عن الأنظار!
 
لكنَّ الأئمة عليهم السلام قد أجابوا عن هذا السؤال في روايات أخرى، فقد سئل الصادق عليه السلام: إِنَّا نُرَوَّى بِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ يُفْقَدُ زَمَاناً فَكَيْفَ نَصْنَعُ عِنْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ: تَمَسَّكُوا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَكُمْ (الغيبة للنعماني ص159).
 
فمن ثبت على ما هو عليه، ولم تتغير عقيدته أو فِعاله عند غيبة الإمام، وكانت الغيبة عنده بمنزلة المشاهدة، كان أخاً لرسول الله (ص)، وهو القائل: إِخْوَانِي قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْنِي‏ (بصائر الدرجات ج1 ص84).
 
الشوق إلى الإمام
 
لكنَّ التمسُّك بالأمر الأول والثبات على الحق لا يُنافي الشوق والحنين إلى الإمام..
لقد كان الشوقُ يعصفُ بالشيعة حتى في زمن الغيبة الصغرى!
 
فهذا أحمد بن إبراهيم النوبختي: من أعلام المتكلمين، وشيوخ أهل الفقه والحديث، ومن خواص السفير الثاني أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، وصهره على ابنته، وقد اختصَّ من بعده بالسفير الثالث الحسين بن روح النوبختي، وكان يكتب الإجابات التي تخرج على يديه!
 
ولقد روى شكايته للسفير الثاني أبي جعفر من الشوق لرؤية الإمام الحجة عليه السلام!
لقد كان لقاءُ الإمام عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى أهون من لقائه في الغيبة الكبرى، وهذا الرَّجُلُ من متكلمي الشيعة وفقهائهم، وقريبٌ من السفراء الخاصين، ثم يشتكي الشوق لرؤية الإمام عليه السلام! ثمَّ لا يُكتبُ له لُقياه عليه السلام!
 
يقول: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ شَوْقِي إِلَى رُؤْيَةِ مَوْلَانَا عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَقَالَ لِي: مَعَ الشَّوْقِ تَشْتَهِي أَنْ تَرَاهُ؟
فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ.
 
فَقَالَ لِي: شَكَرَ الله لَكَ شَوْقَكَ، وَأَرَاكَ وَجْهَهُ فِي يُسْرٍ وَعَافِيَةٍ، لَا تَلْتَمِسْ يَا أَبَا عَبْدِ الله أَنْ تَرَاهُ، فَإِنَّ أَيَّامَ الْغَيْبَةِ تَشْتَاقُ إِلَيْهِ، وَلَا تَسْأَلِ الِاجْتِمَاعَ مَعَهُ! إِنَّهَا عَزَائِمُ الله! وَالتَّسْلِيمُ لَهَا أَوْلَى، وَلَكِنْ تَوَجَّهْ إِلَيْهِ بِالزِّيَارَةِ (المزار الكبير لابن المشهدي ص585).
ثم ذكر له صلاة اثنتي عشرة ركعة، وبعدها زيارة آل يس.
 
ولئن كانت الرؤية أيسر في تلك الأيام من أيامنا، إلا أنها تخضع للحكمة التي يراها الإمام عليه السلام، ولمّا لَم يُكتَب لأحمد أن يرى الحجَّة عليه السلام، نُهِيَ عن أن يسأل الاجتماع به، وبَيَّنَ له السفير أهميَّة التسليم للغيبة والفراق، سيما مع كون الغيبة أو المنع من لقائه من عزائم الله، أي موجباته وأموره المقطوعة، ثمَّ بَيَّنَ له رجحان التوجه للإمام مع ذلك بالزيارة.
 
والعبدُ إذا توجه إلى الإمام بهذه الزيارة أو سواها، أورثه ذلك الطمأنينة والسكون من جانبٍ، وألهَبَ فيه نار الشوق والحنين من جانبٍ آخر!
 
1. أما الطمأنينة:
 
فلما ورد في زيارة آل يس نفسها: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَقِيَّةَ الله فِي أَرْضِهِ.. وفيها: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَعْدَ الله الَّذِي ضَمِنَهُ.. (الاحتجاج ج‏2 ص493).
 
فإذا كان الإمام عليه السلام هو بقية الله في أرضه: بقية الأنبياء والأوصياء والأولياء جميعاً، بقية الخلفاء والحجج الإلهية.. بقيةٌّ ادَّخَرَها الله تعالى لإعادة الملَّة والشريعة، بوعدٍ وضمانٍ منه تعالى: ﴿وَعْدَ الله حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلاً﴾.
فكلُ خوفٍ سيطمسه الركون إلى وعد الله المضمون، وكلُّ ذلٍّ وهوانٍ سيهونُ رجاء ظهور الوعد المنتظر، البقية الباقية من العترة الطاهرة.
 
2. وأمّا الشوق والحنين:
 
فحين نقرأ في دعاء النُّدبة:
بِنَفْسِي أَنْتَ أُمْنِيَّةُ شَائِقٍ يَتَمَنَّى، مِنْ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ذَكَرَا فَحَنَّا! (المزار الكبير ص581).
 
ولئن كنَّا نفهم الشوق والحنين لِمَن رأينا وعاشرنا، فما معنى الشوق لمن لم نعرف له صورةً ولا وجهاً؟!
وأيُّ شيءٍ يستذكره المؤمن فيحنُّ إلى إمامه الذي ما رآه يوماً؟!
 
1. هل يحنُّ المؤمن عند ذكره الإمام باللِّسان.. لأنَّ القلب يَهيِجُ لذكره؟! وهو المخلوق من فاضل طينته؟!
إِنَّ الله خَلَقَنَا مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَخَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِنَا مِمَّا خَلَقَنَا مِنْه‏! (تفسير القمي ج2 ص411 عن الباقر عليه السلام).
 
2. أم يحنُّ عند ذكره لأنَّه يعرف عنه كما يعرف عن آبائه عليهم السلام، وقد قالوا: أَوَّلُنَا مُحَمَّدٌ وَأَوْسَطُنَا مُحَمَّدٌ وَآخِرُنَا مُحَمَّد (الغيبة للنعماني ص86 عن الصادق عليه السلام).
 
3. أم يحنُّ لأنَّ الإمام وإن كان شخصُه غائباً، إلا أنَّه قريبٌ منَّا، ما نَزَحَ عنّا، يسمعنا حين نناجيه، ويرعانا ويحفظنا بحفظ الله: بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنَّا، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ نَازِحٍ مَا نَزَحَ عَنَّا! (المزار الكبير ص581).
 
4. أم يَحِنُّ لعذبِ ماء الإمام وعلمه وفضله والشفاء على يديه؟!
مَتَى نَرِدُ مَنَاهِلَكَ الرَّوِيَّةَ فَنَرْوَى؟!
مَتَى ننتقع مِنْ عَذْبِ مَائِكَ فَقَدْ طَالَ الصَّدَى؟!
 
5. أم يحنُّ للجلوس بمحضره غداةً ورواحاً؟! صبحاً ومساءً؟!
مَتَى نُغَادِيكَ وَنُرَاوِحُكَ فَتُقِرَّ عُيُونُنَا؟
 
أم يشتاقُ المؤمن إلى لواء النصر المنشور؟
أم تجتمع في المؤمن كلُّ هذه الأشواق؟! وسواها الكثيرُ الكثيرُ!
 
ولكن.. مهما بلغ شوق المؤمنين لإمامهم فإنَّه لم يصل بعدُ إلى شوقِ يعقوب ليوسف.
 
أما من بلغ شوقه هذا المبلغ.. فهو الحسين عليه السلام!
وهو القائل عليه السلام: مَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُف (اللهوف ص61).
لكنَّه كان اشتياقاً عظيماً لم يتحقَّق اللقاء بعده إلا عندما غادَرَ سيدُ الشهداء الدُّنيا على غير النحو المألوف! وهنا ينكسرُ القَلَم!
 
ولئن طالت غيبة إمامنا الموعود، وظلَّ محفوظاً من كلِّ سوء، إلا أنَّه النادِبُ على جده صبحاً ومساءً: فَلَأَنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بَدَلَ الدُّمُوعِ دَماً، حَسْرَةً عَلَيْكَ، وَتَأَسُّفاً عَلَى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفاً، حَتَّى أَمُوتَ بِلَوْعَةِ المُصَابِ، وَغُصَّةِ الِاكْتِيَاب‏ (المزار الكبير ص501).
 
الله يعلمُ كيف يجتمع الأطهار معاً.. إن كان شوقهم بعضهم هكذا! وبكاء البعض الآخر وحسرته هكذا!
 
نسأل الله أن يجمعنا بهم جميعاً، وأن يعجل لوليه الفرج.
والحمد لله رب العالمين
الأربعاء 15 شعبان 1447 هـ، الموافق 4 – 2 – 2026 م.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!