لا تزال ظاهرة القرارات الادارية غير المدروسة حاضرة في عدد من مؤسسات الدولة حيث يتعرض بعض الموظفين لإجراءات مفاجئة قد تقلب حياتهم الوظيفية رأسا على عقب. تبدأ المسألة غالبا بأمر إداري يصدر من جهة عليا لكنه قد ينتهي بعواقب ثقيلة مثل نقل الموظف إلى وزارة اخرى او فرض عقوبة ادارية او حرمانه من ترقية او حقوق مالية او اعفائه من منصبه دون مبررات قانونية واضحة. وعندها يجد الموظف نفسه مضطرا إلى سلوك طريق القضاء الإداري ومحكمة قضاء الموظفين بحثا عن الانصاف، وهي رحلة قد تستغرق اشهرا طويلة من الجلسات والمراجعات قبل صدور الحكم بإلغاء القرار لعدم قانونيته. صحيح أن القضاء يعيد الحق في نهاية المطاف لكن الموظف يكون قد دفع ثمنا نفسيا وماديا ومهنيا كبيرا خلال تلك الفترة.
التجارب السابقة تقدم شواهد عديدة على هذه المشكلة فقد صدرت مئات القرارات الخاطئة مثل العقوبات والنقل والتي لم تصمد امام القضاء الإداري حيث حكمت محكمة قضاء الموظفين بعد مدة بالغاءها بسبب مخالفتها للقانون او لعدم اتباع الاجراءات الاصولية عند صدورها. ومن المهم التأكيد هنا أن القضاء الإداري في العراق لعب دورا بارزا في حماية الوظيفة العامة اذ اثبت استقلاله وحياديته وشجاعته في عدد كبير من القضايا وأصدر احكاما لصالح موظفين في مواجهة جهات رسمية تقع في اعلى هرم السلطة، وهذا يعكس بوضوح أن القضاء الإداري يمثل ركنا اساسيا في ترسيخ مبدأ سيادة القانون وحماية الحقوق الوظيفية.
ان الخلل الحقيقي هو غياب المساءلة داخل المؤسسات الحكومية بعد صدور الاحكام القضائية فعادة ما يتم الغاء القرار المخالف واعادة الحق إلى الموظف، غير أن الشخص الذي اصدر القرار الخاطئ لا يتعرض لأي مساءلة حقيقية. وبسبب هذا الفراغ في المحاسبة تتكرر الاخطاء نفسها، بل قد تتحول بعض القرارات إلى وسيلة ضغط او تصفية حسابات، لأن متخذ القرار يعلم مسبقا ان اقصى ما يمكن ان يحدث هو ابطال القرار بعد مدة من الزمن دون ان يتحمل هو اي مسؤولية مباشرة وهذا هو الاستهتار بعينه في استعمال الصلاحيات.
لذلك لم يعد كافيا الاكتفاء بالغاء القرار بعد صدوره بمدة طويلة بل ينبغي ان يتبع الحكم القضائي تحقيق إداري يحدد المسؤول عن القرار التعسفي ويطبق العقوبات المناسبة عند ثبوت الخطأ. وفي هذا السياق تبرز اهمية تفعيل المادة 341 من قانون العقوبات العراقي التي تنص على معاقبة الموظف الذي يتسبب بخطئه الجسيم او بإساءة استعمال سلطته في الحاق ضرر بمصالح الجهة التي يعمل فيها او بمصالح الافراد. ومن الضروري اعتماد اجراء اصولي واضح يقضي بفتح تحقيق مباشر مع متخذ القرار مهما كان منصبه بمجرد صدور حكم من محكمة قضاء الموظفين لصالح الموظف. فإذا ثبت من خلال التحقيق وجود تقصير او سوء استعمال للسلطة، ينبغي توجيه عقوبة ادارية مناسبة بحقه، وفي حال تكرار مثل هذه الحالات يجب اعفاؤه من منصبه لأن استمرار مسؤول يكرر قرارات ملغاة قضائيا لا يمثل فقط خللا اداريا بل يسيء ايضا إلى سمعة المؤسسة التي يعمل فيها ويضعف الثقة بقراراتها. كما ينبغي تفعيل الية مناسبة لتعويض مادي مجزي للموظف الذي يتعرض لهذا النوع من الظلم ويجب ان تتحمل المؤسسة التي يعمل بها والشخص الذي اصدر القرار التعسفي دفع هذا التعويض.
ان القرار الإداري ليس امتيازا يمنح لمن يشغل المنصب بل هو مسؤولية قانونية واخلاقية تتطلب كفاءة وخبرة وقدرة على تطبيق القانون بعدالة. ان المنصب القيادي في الدولة ليس وجاهة اجتماعية ولا مكافأة سياسية وانما مهمة تفرض على صاحبها قدرا عاليا من المهنية والعدالة. وإذا تكررت القرارات التي تبطلها المحاكم بسبب مخالفتها للقانون فإن بقاء المسؤول في موقعه لا يعكس فقط خللا اداريا بل يضعف ثقة الموظفين بالمؤسسة.
إن قوة الدولة لا تقاس بعدد القرارات التي تصدرها مؤسساتها بل بمدى احترام تلك المؤسسات للقانون فالعدالة الحقيقية تتحقق عندما يشعر الموظف أن القانون يحميه داخل دائرته قبل أن يضطر إلى اللجوء إلى القضاء. وعندها فقط تتحول الادارة من سلطة اشخاص إلى مؤسسة تحكمها قواعد القانون والمساءلة.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!