كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

رمضان والقرآن/ لقاء النور والطمأنينة

رمضان والقرآن/ لقاء النور والطمأنينة

 شهر رمضان  نافذة سماوية تُفتح في القلب قبل أن تُفتح في السماء لا يُقاس بعدد أيّامه، بل ،فيه يُعاد ترتيب الداخل الإنساني، وتُستردّ البوصلة إلى جهة النور، وفي قلب هذا كلّه يقف القرآن يتحدث بجسده وروحه وانفاسه … لا كتاباً يُتلى فحسب، بل روحاً تُحيي، وعهداً يتجدّد، ونداءً لا يهدأ.
صحيح أن شهر رمضان هو الزمن الذي نزل فيه القرآن، لكنّ الأصدق أنّه الزمن الذي ينزل فيه القرآن مراراً على القلوب المستعدّة. فالآيات لا تكتفي بأن تمرّ على اللسان بل إنّها تبحث عن موضعٍ أعمق، عن صدعٍ في الروح لتملأه، وعن جوعٍ داخليّ لتشبعه. وحين يجتمع هذان  النوران ، يولد لقاء مهيب بين حاجة البشر وهداية الرب العظيم ..
في لياليه ، يتبدّل الصمت. يصبح للصمت معنى، وللسكون صوت. تتلو الآية، فتشعر أنّها موجهة لك ..تُتلى عليك . قد تقف عند كلمةٍ فتراك واقفاً عند نفسك، وتجاوز آيةً فتكتشف أنّك لم تتجاوز معناها بعد..
قد تقف عند كلمات تذكرك بموقف فعلته هنا تشعر أنه مرآة صادقة لافعالنا وتصرفاتها ..، تريك ما خفي عنك طوال العام.
فكلام الله  في رمضان لا يطلب منا سرعة الختم، بل صدق الوقوف. لا يسألنا كم قرأنا، بل كيف تغيّرنا وكم نسبة التغير . قد تختم المصحف مرّات، ولا تختم آيةً واحدة في قلبك، قد تقف عند آيةٍ واحدة، فتُفتح لك أبواب لم تكن تراها. فالعبرة ليست بعدد الصفحات، بل بعمق الأثر.

فهذا الشهر المبارك  يعلّمنا أن القرآن ليس للعبّاد وحدهم، بل للمتعبين، للمنكسرين، للباحثين عن معنى وسط الضجيج. فهو رسالة عزاء قبل أن يكون تكليفاً، ويد رحمة قبل أن يكون أمراً ونهيّاً. لذلك، حين نقرأه في رمضان، نقرأه بقلوبٍ أقلّ صخباً، وأكثر استعداداً للفهم. 
هنا  تتربّى العلاقة مع القرآن على الصبر. صبر في التلاوة، وصبر في التدبّر، وصبر في العمل. فكلام الله لا يُعطي ثماره دفعةً واحدة ، إنّه ينمو في الداخل ببطءٍ جميل، مثل ضوء الفجر، لا يُفاجئك، لكنّه يملأ الأفق.
رمضان والقرآن… علاقة لا تنتهي بانتهاء الشهر. من ذاق حلاوة هذا اللقاء، يعرف أنّ الفراق بعده مؤلم، وأنّ أجمل العهود هي تلك التي تمتدّ لما بعد الهلال الأخير. فالسعيد من خرج من رمضان وهو يحمل القرآن لا في صوته فقط، بل في سلوكه، وخياراته، ونظرته إلى الحياة، مجتمعه ، أسرته ، تعامله ..
رمضان يمضي، لكن القرآن باقٍ. فإذا كان رمضان هو موسم القرب، فإنّ القرآن هو طريقه الدائم. ومن جمع بينهما بصدق، لم يعد كما كان لأنّ من جلس مع كلام الله في ليالي رمضان، لا يمكن أن يخرج منها فارغ القلب.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!