لمْ تعدْ منطقةُ الشرقِ الأوسط، تقفَ على حافةِ الحرب، بلْ سقطتْ فيها- بالفعل- فالمواجهةُ بينَ إيران منْ جهة، والولاياتُ المتحدةُ والكيانُ الصهيونيُ منْ جهةٍ أخرى، خرجتْ منْ دائرةِ التهديداتِ والضرباتِ المحدودةِ إلى صراعٍ مفتوحٍ تتسارعُ فيهِ الأحداثُ بوتيرةٍ تنذرُ بما هوَ أخطر. تتبادلَ الأطرافَ الضربات، وتتسعَ رقعةُ النار، بينما يبدو أنَ منطقَ القوةِ طغى على صوتِ العقل، وكانَ الجميعُ اندفعَ في مسارٍ لا رجعةً فيه.
في خضمِ هذا التصعيد، لمْ يعدْ السؤالُ إنَ كانتْ الحربُ ستقع، بلْ إلى أيِ مدى يمكنُ أنْ تصل، وكمْ منْ الخرابِ ستخلفُ قبلَ أنْ تتوقف. إنها حربٌ بلا حساباتٍ واضحة، ولا سقفَ منظور، لذلكَ تبدو — بكلِ ما تحملهُ الكلمةُ منْ معنى — حربا مجنونة- .
إنَ مصطلحَ الحربِ المجنونةِ ليسَ توصيفا قانونيا، بلْ تعبيرٌ سياسيٌ عنْ حربٍ تتسارعُ أحداثها، وتفقدَ السيطرةَ عليها بسببِ قراراتٍ متسرعةٍ أوْ صراعاتٍ كبرى بينَ الدول. ومثلَ هذهِ الحروب، إذا اندلعت، لا تخلف منتصرينَ بقدرِ ما تتركُ وراءها دمارا واسعا وتداعياتٌ قدْ تمتدُ لسنواتٍ أوْ عقود، ليسَ على المنطقةِ فحسب، بلْ على العالمِ بأسره.
يقودَ الرئيسُ الأمريكيُ دونالدْ ترامب، بدعمٍ منْ الكيانِ الصهيوني، مسارا تصعيديا في مواجهةِ إيران، يعلنَ فيهِ أنَ الهدفَ هوَ وقفُ برنامجها النووي، بينما يبدو في جوهرهِ سعيا لحمايةِ الكيانِ الصهيونيِ منْ أيِ تهديدٍ محتمل، وضمانَ تفوقها، إضافةٌ إلى فرضِ نفوذِ أوسعَ على المنطقة. ويجري ذلكَ في سياقِ صراعٍ معقدٍ تتداخلُ فيهِ الحساباتُ السياسيةُ والعسكريةُ والاستراتيجية. ورغمُ أنَ ميثاقَ الأممِ المتحدةِ يفرضُ قيودا صارمةً على استخدامِ القوة، فإنَ الوقائعَ على الأرضِ تشيرُ إلى انزلاقٍ مقلقٍ نحوَ مواجهةٍ قدْ تخرجَ عنْ السيطرة، وتجرَ المنطقةُ بأسرها إلى حربٍ واسعةٍ النطاق.
يبدو أنَ صناعَ القرارِ في واشنطن، راهنوا على تفوقهمْ العسكريِ والتكنولوجي، متصورينَ أنَ أيَ مواجهةٍ ستكونُ سريعةً وحاسمةً إلا أنَ تعقيداتِ المشهدِ الإقليمي، وتشابكَ المصالح، وانتشارَ القواعدِ العسكريةِ والتحالفاتِ في مختلفِ دولِ الشرقِ الأوسط، جعلتْ منْ أيِ ضربةٍ محدودةٍ شرارةٍ قدْ تشعلُ حريقا شاملا. فإيران تمتلكُ شبكةً واسعةً منْ العلاقاتِ والنفوذ، ما يعني أنَ الردَ قدْ لا يبقى محصورا في جغرافيا واحدة، بلْ يمتدُ ليطالَ منشآتً وقواعدَ ومصالحَ في أكثرَ منْ دولة، وهذا ما حصلَ فعلا من ردها القوي على العدوان.
توصف الحربُ المجنونةُ بأنها حربٌ تندلع أوْ تتوسعُ دونَ حسابٌ دقيقٌ للعواقب، وتعتمدَ على ردودِ فعلٍ متسارعةٍ وتصعيدٍ متبادلٍ بينَ الأطراف، ما يؤدي إلى تدميرٍ واسعٍ النطاقِ وحالةٍ منْ عدمِ الاستقرارِ الإقليميِ أوْ حتى الدولي. وغالبا ما تتجاوزُ هذهِ الحروبِ أهدافها الأصليةَ لتتحولَ إلى صراعٍ مفتوحٍ لا يمكنُ التنبؤُ بنهايته. وفقا لميثاقِ الأممِ المتحدة، يحظرَ استخدامُ القوةِ في العلاقاتِ الدوليةِ إلا في حالتينِ أساسيتين: الدفاعُ عنْ النفسِ ضدَ هجومِ مسلح. وصدورَ قرارٍ صريحٍ منْ مجلسِ الأمنِ يجيزُ استخدامَ القوة. وأيَ تجاوزِ لهذينِ الشرطينِ يضعُ العملُ العسكريُ في موضعِ جدلٍ قانونيٍ وسياسيٍ واسعٍ على المستوى الدولي.
في ختامِ هذا المشهدِ القاتم، تبدو الحربُ المجنونة، وكأنها آلةٌ عمياءُ لا تخلفُ وراءها سوى الدمارِ والخراب: بنيةٌ تحتيةٌ مهدمة، آلافُ الضحايا، وملايين المشردينَ الذينَ فقدوا بيوتهمْ وأمانهم. قدْ تتبدلُ مواقعَ السيطرةِ على الخرائط، لكنَ الحقيقةَ الثابتةَ أنَ لا رابح حقيقيٍ في حربٍ ينهارُ فيها الإنسانُ قبلَ الحجر. فالخسارةُ هنا جماعية، تطالَ الحاضرَ والمستقبلَ معا، وتتركَ ندوبا عميقةً في الذاكرةِ والوجدان. لذلك، فإنَ السلامَ — مهما بدا بعيدا — يظلُ الانتصارُ الوحيدُ القادرُ على إنقاذِ ما تبقى منْ حياةٍ وكرامةٍ وأمل.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!