تفكر في هذا التنوع العجيب في الاشجار وثمارها والنباتات وازهارها وخواص كل منها؛ مع انها تنبت في ذات التربة وتسقى بماء واحد (1) وربما كان صنف الشجر واحدا ايضا، الا ان الثمر منها يأتي متشابها وغير متشابه، وهذا يستدعي السؤال عن المصدر الواهب لهذا التمايز في الشكل واللون والطعم والرائحة والفائدة والخواص ، نجد بكل فاكهه طعما ورائحة ولونا وخاصية تختلف عن غيرها؛ وتختلف الاشجار اختلافا كبيرا في انواعها واشكالها والوانها مما يعطيها المزيد من الجمال والبهجة ؛وفي ذلك دلالة على ان الله هو الذي انشا الشجر والزرع ومختلف الالوان والطعوم والاشكال؛ منوع الصنوف متشابها وغير متشابه؛؛وانه هو الذي بث الحياة في هذه الارض ونوعها وهذا التنويع وجعلها مناسبة للوظائف التي تتطلبها حياة الناس في الارض؛ فكيف يذهب الناس ــ في مواجهة هذه الحقائق ــ الى تحكيم غير الله في شان الطبيعة وما تحمله من اسرار الجمال والالوان (2)
وما ان بعض الاشجار تتشابه من حيث الهيئة والاوراق والسعف كالنخلة وشجرة جوز الهند في توزيع الاوراق في كليهما نخيلي الا ان الثمر في كل منهما مختلف تماما رغم تشابه الشجر،
ويوجد في النخيل نوع خاص لإنتاج الزيت فقط؛ ويسمى بزيت النخيل؛ يتم استخراجه من لب ثمار شجرة النخيل (3)؛والتي تنمو في مناطق استوائية متنوعة ؛تعطي هذه الشجرة ثمارا تتأخذ شكل عناقيد كروية يشكل الزيت منها نسبة 45% بينما يشكل اللب الباقي، هذا وان كل الحبوب والبذور تنتج دهنا بنسب متفاوتة ؛غير انك تجد شجرة كالزيتون او بذرة السمسم او زهرة عباد الشمس او الذرة تنتج دهنا بنسب عالية (3) في حين انها لا تسقى الا بالماء ؛ومعلوم ان خاصية الماء تختلف عن خاصية الدهن قواما وتركيبا وفائدة فكيف نتج هذا عن هذا ؟فتفكر في منشأ هذا الدهن في الحبوب والبذر والزهر ومنشأ هذه الالوان الزاهية التي تصبغ الفواكه بانواعها؛ مع ان الارض واحدة، ذلك للاعتقاد الخلقية وطلاقة قدرة الخالق سبحانه (4) ان من الدليل على ان هذا النظام الجاري قائم بتدبير مدبر وراءه تخضع له اشياء بطبائعها ويجريها على ما يشاء وكيف يشاء ان في الارض قطعا متجاورات متقاربه بعضها من بعض متشابهة في طبع ترابها فيها جنات من اعناب (5) وفيها زرع مختلف في جنسه وصنفه من القمح والشعير وغير ذلك وفيها نخيل صنوان (6) وغير صنوان(7) يسقي الجميع بماء واحد تتفاضل وتتمايز بما فيها من المزية والشكل؛ والطعم والرائحة والفائدة والخواص (8) فأن قيل هذه الاختلافات راجعة الى طبائعها الخاصة بكل منها، او العوامل الخارجية التي تعمل فيها فتتصرف في اشكالها والوانها وسائل صفاتها على ما تفصله الابحاث العلمية المتعرضة للشؤونها الشارحة لتفاصيل طبائعها وخواصها والعوامل التي تؤثر في كثير تكوينها وتتصرف في صفاتها
قلنا نعم لكن ينتقل السؤال حينئذ الى سبب اختلاف هذه الطبائع الداخليه والعوامل فما هي العله في اختلافها المؤدي الى اختلاف الاثار ؟وسننتهي في اخر الامر الى المادة المشتركة بين الكل المتشابهة الاجزاء؛ ومثلها لا يصلح لتعليل هذا الاختلاف في المشهود؛ فليس الا ان هناك سببا فوق هذه الاسباب اوجدها هو المادة المشتركة ؛ثم اوجد فيها من الصور والاثار ما شاء وبعبارة اخرى هناك سبب واحد لشعور وارادة تستند هذه الاختلافات الى ارادته المختلفة ولولاه لم يتميز شيء من شيء ولا اختلف في شيء ومن الواجب على الباحث المتدبر في هذا القول ان ينتبه الى ان اسناد اختلاف الخلقة الى اراده الله سبحانه ليس ابطالا لقانون العلة والمعلول كما ربما يتوهم ، بل هذه الارادات المختلفة صفة فعله ومنتزعة من العلل التامة للاشياء (9)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
[ الرعد: 4]
* أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
نَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) 8،7الشعراء
** وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾
[ إبراهيم: 32]
*** الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة 22
**** ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[ الأنعام: 99]
2)مقال ل علي الصلابي( يد الله المبدعة الالوان في الطبيعة دليل بوجه الملحدين على خلقة الكون)
3) المصطلح العلمي إيليس جينيتسز
4) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ(20)المؤمنون
* لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(120)المائدة
5)والعنب من الثمرات التي تختلف اختلافا عظيما في الشكل واللون والطعم والمقدار واللطافة والجودة وغير ذلك
6)أي امثال نابتة على اصل مشترك فيه
7)أي متفرقة
8) ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
[ الرعد: 4]
9)محمد حسين الطباطبائي تفسير الميزان ج11 ص 293ـ 294

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!