تتجلى مظلوميةَ القانونِ حينَ يقفُ النصُ جامدا أمامَ واقعٍ متغيرٍ لا يعترفُ بالثباتِ فبينِ حروفٍ صيغتْ في زمنٍ مضى، وحياةٌ تتجددُ كلَ يوم، تنشأَ فجوةً تضعفُ العدالةُ وتربكُ تطبيقها. ومنْ هنا يبرزُ التحدي في تحقيقِ التوازنِ بينَ صرامةِ النصِ وحيويةِ الواقعِ لضمانِ إنصافِ الإنسان.
قالَ اللهُ سبحانهُ وتعالى: إنَ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ سورةَ النحل، الآية: 90، وكذلكَ قولهُ تعالى: وإذا حكمتم بينَ الناسِ أن تحكموا بالعدلِ (سورةُ النساء، الآية: 58 ) . تؤكدَ هاتانِ الآيتانِ الكريمتان؛ أنَ العدلَ يمثلُ الركيزةَ الأساسيةَ في جميعِ صورِ التعاملِ الإنساني، سواءً في الأقوالِ أوْ الأفعالِ أوْ الأحكامِ القضائية.
فالعدلُ يقتضي إعطاءَ كلٍ ذي حقِ حقهِ دونَ تمييزٍ أوْ محاباة، ويشملَ ذلكَ جميعُ الناسِ على قدمِ المساواة، باعتبارهِ مبدأِ جامعٍ لا يقبلُ الاستثناء. وفي الوقتِ ذاته، لا يقفُ المنهجُ الإسلاميُ عندَ حدودِ العدلِ المجرد، بلْ يرتقي إلى مرتبةٍ أسمى وهيَ الإحسان، الذي يعني مراعاةَ الظروف، بما يحققُ التوازنُ بينَ النصِ القانونيِ والبعدِ الإنساني. في العهدِ الإسلامي.
تذكرُ الروايات؛ أنَ الخليفة عمرْ بنْ الخطابْ (رضيَ اللهُ عنهُ ) ، أوقفَ تنفيذُ حدِ قطعِ اليدِ على السارقِ في عامِ المجاعة، نظرا للظروفِ الاستثنائيةِ منْ القحطِ والجوعِ التي دفعتْ بعضَ الناسِ إلى السرقةِ بدافعِ الحاجةِ والضرورة. ويستندَ في أصلِ هذا الحدِ إلى قولهِ تعالى: (والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً منْ الله، واللهُ عزيزٌ حكيم) سورةَ المائدة: الآية: 38. وقدْ جاءَ اجتهادُ الخليفة، مراعاةٌ للظروفِ الاستثنائية، إذْ إنَ تطبيقَ الحدودِ في الشريعةِ الإسلاميةِ يرتبطُ بانتفاءِ الشبهاتِ وتحققُ العدالة، فلا يقامُ الحدُ في حالِ الاضطرارِ أوْ الحاجةِ الشديدة.
وفي العصرِ الحديث، اشتهرَ القاضي الأمريكيُ (فرانكْ كابريو) منْ خلالِ برنامجٍ تلفزيونيٍ اسمهُ (Caught in Providence ) ، وبالترجمةِ العربية (القبضُ عليهِ في بروفيدنسْ ) ، وكلمةٌ (بروفيدنس) هيَ اسمُ مدينةٍ في الولاياتِ المتحدة، حيثُ يتمُ عرضَ جلساتٍ حقيقيةٍ منْ قاعتهِ في المحكمة. إذ؛ يتعامل- بلطف- واحترام معَ المتهمين، يستمعَ لظروفهمْ الشخصية، أحيانا يخففُ الغراماتِ أوْ يسامحُ بعضُ الناسِ، إذا رأى أنهمْ يستحقونَ ذلك، يركزَ على العدالةِ والإنسانية، وليسَ فقطْ تطبيقَ القانونِ بشكلٍ صارم، ظهرَ جانبِ إنسانيا نادرا في القضاء، يتعاطفَ معَ كبارِ السنِ والأطفالِ والفقراء، يجعلَ العدالةَ أقربُ إلى الرحمة.
يلاحظ أحيانا أنَ بعضَ الأحكامِ الصادرةِ عنْ المحاكمِ الجزائية، على الرغمِ منْ التزامها التامِ بنصوصِ القانون، قدْ تفتقرُ إلى البعدِ الإنساني، لا سيما في حالاتِ الأحداثِ أوْ النساء، حيثُ قدْ يكونُ قصورُ المتهمِ أوْ ظروفهِ الخاصةِ دافعا لارتكابِ الجريمة. وقدْ أقرَ قانونُ أصولِ المحاكماتِ الجزائيةِ العراقيِ النافذِ إمكانيةَ مراعاةِ الظروفِ المخففةِ عندَ تقديرِ العقوبة، بما في ذلكَ عدمُ ارتكابِ المتهمِ لأيِ جريمةٍ سابقة، أوْ صغرِ أوْ كبرِ سنه، أوْ كونهِ امرأةً ولها أطفال، أوْ وجودِ صلةِ قرابةٍ أوْ علاقةٍ اجتماعيةٍ معَ المجنيِ عليه. وتأتي هذهِ الأحكامِ لتتيحَ للقاضي ممارسةَ العدالةِ المرنةِ التي توازنَ بينَ التطبيقِ الدقيقِ للقانونِ وبينَ الجانبِ الإنسانيِ للمتهم، بما يحققُ العدالةَ ويأخذُ بعينِ الاعتبارِ خصوصيةَ كلِ حالةِ وظروفها الاجتماعيةِ والنفسية.
وانطلاقا منْ هذا الأساس، فإنَ التطبيقَ السليمَ للقانون، ينبغي ألا يكونَ مجردَ تنفيذٍ جامدٍ للنصوص، بلْ يجبُ أنْ يراعى فيهِ البعدُ الإنسانيُ والظروفُ المحيطةُ بكلِ واقعة، فليسَ منْ الإنصافِ أنَ تعاملَ الجرائمِ المختلفةِ بمعيارٍ واحدٍ دونَ تمييزٍ في الدوافعِ أوْ الآثار. فسرقةٌ بسيطةٌ قدْ تصدرُ عنْ حاجةٍ أوْ جهلٍ — معَ بقاءِ الفعلِ مجرما وغيرَ مبررٍ — لا يمكنُ أنْ تقارنَ بجرائمِ الفسادِ الكبرى التي تمسُ أموالَ الدولةِ وتؤثرُ على المجتمعِ بأسره. إنَ تحقيقَ العدالةِ الحقيقيةِ يقتضي الجمعُ بينَ سيادةِ القانونِ والاعتبارِ الإنساني، بحيثُ تكونُ الأحكامُ متناسبةً معَ جسامةِ الفعلِ وظروفِ مرتكبه، وبما يحققُ الردعُ منْ جهة، والإنصافُ والرحمةُ منْ جهةٍ أخرى، تجسيدا لقيمِ العدلِ والإحسانِ التي دعا إليها الشرعُ الحنيف. يعدّ القانونُ في جوهرهِ أداةً لتحقيقِ العدلِ وتنظيمِ حياةِ الناس، غيرَ أنهُ كثيرا ما يتحول، عندَ تطبيقهِ بصورةٍ حرفيةٍ جامدة، إلى وسيلةٍ للظلمِ بدلَ أنْ يكونَ حصنا للإنصاف. فالقانون، مهما بلغَ منْ الدقةِ والإحكام، يظلّ نصا ثابتا، بينما الحياةُ الإنسانيةُ متغيرة، مليئةً بالتفاصيلِ الدقيقةِ والظروفِ المتباينةِ التي لا يمكنُ حصرها أوْ التنبؤِ بها- بشكلٍ كامل- . ومنْ هنا تنشأُ مظلوميةَ القانون، لا في ذاته، بلْ في طريقةِ فهمهِ وتطبيقه. إنَ التمسكَ الحرفيَ بالنصوصِ القانونيةِ دونَ مراعاةٍ لروحها ومقاصدها يؤدي إلى نتائجَ قاسية،- خصوصا- عندما يتولى تنفيذها أشخاصا يفتقرونَ إلى الحسِ الإنسانيِ والبصيرةِ الاجتماعية. فالقاضي الذي يطبقُ القانونُ كآلةٍ صماء، متجاهلاً الظروفَ المحيطةَ بالفعل، إنما يقضي على الظاهرِ ويغفلُ الحقيقةَ الأعمق. وقدْ يؤدي ذلكَ إلى معاقبةِ الضعفاءِ والمظلومين، في حينِ يفلتُ الأقوياءَ منْ المساءلةِ مستفيدينَ منْ ثغراتِ النصوصِ أوْ جمودها. ومنْ أبرزِ صورِ هذهِ المظلومية، الحكمُ على الفقيرِ أوْ المحتاجِ ك مجرمٍ ”لمجردِ أنهُ أخطأَ مرةَ بدافعِ الحاجةِ أوْ القهر.
فبديلاً عنْ النظرِ إلى أسبابِ الفعلِ وظروفه، يكتفي بتطبيقِ النصِ العقابي، ثمَ يلاحقُ هذا الفردِ بنظرةِ احتقارٍ اجتماعي، وكانَ القانونُ قدْ حكمَ عليهِ بالعزلةِ الأبدية.
وهنا يفقدُ القانونُ وظيفتهُ الإصلاحية، ويتحولَ إلى أداةٍ للإقصاءِ والتهميش. والأخطرَ منْ ذلكَ أنَ بعضَ المتزمتينَ يبررونَ هذا النهجِ بقولهم: هذا ما يأمرُ بهِ القانون، متناسينَ أنَ للقانونِ روحا تقومُ على العدلِ والرحمة، لا على القسوةِ والجمود. فالقانونُ لمْ يوضعْ ليكونَ غايةً في ذاته، بلْ وسيلةً لتحقيقِ التوازنِ بينَ حقوقِ الأفرادِ ومصلحةِ المجتمع.
وإذا أفرغَ منْ هذهِ الروح، صارَ نصا ميتا يضرُ أكثرَ مما ينفع. إنَ العدالةَ الحقيقية، لا تتحققُ إلا حينَ يفهمُ القانونُ في سياقهِ الإنساني، ويطبقَ بمرونةٍ تراعي اختلافَ الأحوالِ وتنوعِ الظروف، فالمشرع، مهما بلغَ منْ حكمة، لا يستطيعُ أنْ يتنبأَ بكلِ تفاصيلِ الواقع، ولذلكَ فإنَ مهمةَ التطبيقِ تتطلبُ وعيا، وحكمة، وقدرةٌ على التمييزِ بينَ النصِ ومقصده.
وفي الختام، فإنَ مظلوميةً القانون لا تكمن في وجوده، بل في جمود تفسيره وسوء تطبيقه، فإذا أردنا مجتمعاً عادلاً، فلا بد أن نجعل من القانون أداة إنصاف حقيقية، لا سيفاً مسلطاً على رقاب الضعفاء، وأن نُحيي فيه روحه التي وُجد من أجل تطبيق العدالة الانسانية قبل تطبيقه القانوني.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!