روي عن الإمام الصادق "عليه السلام": ((ينبغِي للمؤمنِ أنْ تكونَ فيه ثمانُ خصالٍ : وقورًا عندَ الهزاهزِ، صبورًا عندَ البلاءِ، شكورًا عندَ الرخاءِ، قانعًا بما رزقَهُ اللهُ، لا يظلِمُ الأعداءَ، ولا يتحامَلُ للأصدقاءِ، بَدَنُهُ منهُ في تعبٍ، والناسُ منهُ في راحةٍ .. )).
(وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج١٥ ص185 كتاب (الجهاد)، الباب الرابع (استحباب ملازمة الصفات الحميدة واستعمالها وذكر نبذة منها) الحديث ٩.
إنَّ الحديث المبارك الوارد في بيان ما يتعلق بالمؤمن يؤكد أهمية الإيمان، ومنزلة المؤمنين ورسالتهم في الأمة، فضلًا عن أثر ذلك في تربية النفس والمجتمع وبنائهما، وهذا منهج صريح للثقلين في هداية البشرية نحو صلاحها، فعلى المؤمن أنْ يكون أهلًا لهذا الخطاب من جهة، وأهلًا لهذا الشرف والمسؤولية التي عليه القيام بها من جهة ثانية، والاستعداد لذلك والعمل عليه من جهة ثالثة.
ولو تتبعنا هذه الخصال الثمان الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الحديث لرأينا عظمة هذا المنهج التربوي في جهاد النفس والارتقاء بها إلى درجات تليق بها في خلافة الله تعالى في أرضه📖.
١-✍🏻 وقور عند الهزاهز.
وفيه دعوة صريحة إلى بيان أهمية (الوقار) والهيبة للمؤمن في شخصيته بصورة عامة والعمل على التحلِّي بها، وخصوصًا عند الابتلاءات الشديدة التي تؤدي بالمجتمع إلى انشقاقات، أو اختلافات فيما بينهم بسببها، حيث تلتبس عليهم صورها بين حق وباطل أو شبهة بينهما، فالمؤمن في هذه الحالة ليس أمرهم مثل (الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح)، بل عليه من السكينة والرزانة في الرؤية والقول والعمل، والتأنِّي في إطلاق الكلمات أو التصرفات الصادرة عنه، وإحدى سبل ذلك هو بالرجوع إلى أهل الاختصاص من العلماء.
والإنسان بصراحة تواجهه مثل هذه الهزاهز التي يكثر فيها القال والقيل، وعلينا أنْ نكون على حذر وبينة منها، وعدم الانفعال والتأثُّر بالإعلام، أو بالذين يرون أنفسهم قادة القوم إعلاميًّا على سبيل المثال، بل بالنظر والتأمل لمعرفة التكليف الذي يجي القيام به.
🎙️فجهاد النفس يكون أبلغ عندما يحاول المؤمن الحفاظ على مقامه في تصرفاته كلها، وعدم الغرور بما يجري حوله، أو الوقوع في الفتنة، وهذا يحتاج إلى معرفة ووعي بما يجري.
٢-✍🏻 صبور عند البلاء.
وهذه الخصلة التي يجب على المؤمن أنْ يكون على بينة من جريانها في الحياة الدنيا، فالدنيا دار ابتلاء وتمحيص، وبذلك تتم معرف المؤمن من غيره، والصادق في عقيدته من غيره، بل البلاء من سُنن الله تعالى في عباده؛ والقرآن الكريم ضرب أمثلة متعددة لابتلاءات الأنبياء (عليهم السلام) قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: ٢١٤]، ثم أكد تعالى في كتابه أهمية الصبر وآثاره ومقام الصابرين: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: ١٠]، فضلًا عن روايات كثيرة في ذلك.
والمؤمن عليه أنْ يأخذ الدروس والعِبر من تلك السيرة العظيمة لأنبياء الله تعالى وأوصيائه والتأسِّي بهم، والاستعداد لذلك قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: ٢١]
🎙️فجهاد النفس نراه مثمرًا عند التحمُّل والصبر على الشدائد، واستذكار مواقف الأنبياء والأوصياء، وعدم اليأس والفرار من مواجهة البلاء، وهذا يحتاج إلى معرفة ووعي بأهداف الابتلاءات الإلهية في رفع المنزلة والاجتباء.
ختامًا☘️ ..
إنَّ الجهاد الأكبر بحاجة إلى مؤمنين واعين لمقامهم ورسالتهم، وهذا لا يمكن بلا معرفة واستعداد للمواجهة؛ حتى تكون النفس بأمان عمَّا يحيط بها من أعداء كثيرين، ومختلفين في المنهج والدعوة، وظاهرين وباطنين، ومن الإنس والجن .. نسأله تعالى النصر المبين في مواجهة النفس وجهادها.
(وللحديث تتمة)

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!