يقال في الحرب أنه ليس فيها رابح بالمنظور المادي لتقييم نتائجها، ومن جانبها الحسابي صحيح أنه ليس فيها رابح، فهي تأكل من طرفي النزاع الأخضر واليابس، وتذهب بالأرواح من دون تمييز بين مدني وعسكري، خصوصا إذا فقدت أسباب التحكم فيها، وجرت القائمين بها إلى أسوا حالات إنتهاك القوانين الدولية، الموقع عليها من جميع دول العالم، وكم من حرب اندلعت، من دون سبب وجيه، ووقع فيها ما وقع من تجاوزات صارخة بحق مدنيين، غالبا ما يكونون ضحايا استهدافات متعمدة، من أجل اجبار الطرف المقابل على الاستسلام والخضوع، كما حصل لليابان في الحرب الكونية الثانية، عندما قصفت أمريكا هيروشيما وناكازاكي، بأول قبلتين ذريتين، تسببت في خضوع اليابان أعلان استسلامها وهزيمتها.
أما بالنسبة لهذه الحرب العدوانية، والتي تورطت فيها أطراف عربية مع أمريكا والكيان الغاصب، فلم تخرج عن قاعدة الحروب واستهدافاتها، حيث شهدنا تعمد المعتدين شن غارات على مناطق مدنية إيرانية، وأكبر شاهد على ذلك قصف مدرسة ميناب الإبتدائية جنوب إيران، أسفرت عن مقتل وجرح من كان فيها، من بنات في عمر الزهور، وكان الهدف من وراء جريمة الحرب تلك، إثارة الأهالي الإيرانيين على نظامهم، وإحداث خلل في تماسكهم المعنوي، لكن ما كان يرجوه أعداء الإنسانية سقط سريعا، وبقي التضامن الشعبي قائما كما كان في أول العدوان، بل زاد قوة وتحديا لمخاطر القصف ليلا، بخروج الشعب الإيراني إلى شوارع مدنه وساحاتها، معبرا عن تأييده ومناصرته لنظامه، وقواته العسكرية في وجه العدوان الغاشم، الذي تتعرض له بلاده، مسطرا أروع ملاحم الشجاعة والصمود. بينما كان الصهاينة بالتوازي يهرعون إلى الملاجئ المحصنة ليلا ونهارا، كلما رنت صفارات الإنذار في مستوطناتهم، ولا يجرؤون على التواجد في بيوتهم، ولا التنقل في الشوارع خوفا ورعبا من الموت، تحت قصف الصواريخ الإيرانية، وهنا يكمن الفرق بين شعب ملتزم مؤمن بحماية نظامه، مضحيا مدافعا بخيرة أبنائه، عن بلاده و قضاياه الإسلامية، وبين قطعان جذاذ آفاق، قتلة أنبياء مفسدون في الأرض، متربصون بشعوب المنطقة شرا لم يعد خافيا، فإسرائيل الكبرى تجاوزت خارطة فلسطين، لتشمل خمسة دول أخرى هي: لبنان وسوريا والأردن والعراق حتى الفرات، ومصر حتى النيل، ومع ذلك تواصل حكومات المنطقة تجاهل تلك الخطة الخطيرة، كأن لها مصلحة في إقامتها .
الهدف الذي حدده المعتدون الثلاثة: أمريكا والكيان الصهيوني ودويلات الخليج، كان اسقاط النظام الاسلامي، بداية من اغتيال أعلى هرم قيادته المرشد السيد الخامنئي، إلى الصف الإول والثاني من كبار المسؤولين في النظام، في انتظار أن يتكلل العدوان باضطرابات، تثيرها عناصر إيرانية معادية مدربة في الخارج، على أمل نجاح المخطط الغربي الصهيوني الأعرابي في تغيير النظام الإسلامي، واستبداله بنظام آخر ينقلب على مبادئ الثورة الاسلامية ويدير ظهره خصوصا لقضية فلسطين، وينخرط معهم في التطبيع مع الكيان الغاصب، فذلك ما يرجوه هؤلا الأعداء، وعملوا طويلا من أجل تحقيقه.
نعم، لقد كان أحد أكبر الذنوب التي لم يغفرها ربابنة الصهيونية، من حكام العالم للنظام الاسلامي الإيراني، استماتته في التمسك بالقضية الفلسطينية، ودعواته الصادقة إلى تحرير أولى القبلتين، بناء مشروع حقيقي للوحدة الاسلامية، وعمل مخلص بمبادئ القرآن، في البراءة من أعداء الإسلام، وتولي أولياء الدين الخاتم، وعلى الرغم من كونها دعوات صادقة نابعة من المبادئ والقيم القرآنية، فإنها لم تجد آذانا صاغية لدى حكام محسوبين علينا، لم يدرجوا تلك الدعوات ضمن اهتمامتهم، بل انقلبوا عليها وشوهوها لدى شعوبهم، بتحريض صهيوني غربي، اعتبر ذلك من قبيل الخطر المحدق بمنظومتهم، لو تحقق شيء من ذلك.
هذه الحرب على ايران، ابتدأها المعتدون بغارات جوية غادرة، هي حرب وجودية، استهدفت نظاما إسلاميا، ذنبه الوحيد معاداته لاعداء دينه، وعمله من أجل تشكيل مقاومة إسلامية مقتدرة، من شأنها أن تستعيد الحقوق المسلوبة، وتحافظ عليها بعد انتزاعها من غاصبيها، هذا النظام أثبت للعالم أنه الأكثر شعبية من بين نظم العالم، فهو ليس دكتاتوريا كما وصفه أعداؤه، وعملوا على تشويه صورته بما ليس فيه من ادعاءات، أثبت من خلال تعاطيه السياسي الداخلي والخارجي أنه مسالم يسعى للخير، لم يؤذي أحدا من جيرانه، بل إن جيرانه هم من تآمروا عليه، وتحالفوا مع اعدائه طويلا من أجل اسقاطه، وفي هذا العدوان الغاشم، ظهر تورط السعودية والامارات في تمويل هذا العدوان ما أثبت سابقه، وما طلب بن سلمان من الرئيس الأمريكي مواصلة العدوان على إيران، سوى دليل على مدى ذلك الإنخراط والتورط، فأي جناية جناها حكام الخليج على أنفسهم بتوفير ما يحتاجه الامريكان والصهاينة من أموال لضرب إيران؟ وما الضامن لهم بنجاح مخططهم البائس؟
إنه المتعرج الاخير قبل سقوط الاقنعة النهائي، حين تتعرى الوجوه وتسفر عن قبحها الحقيقي، فلا يبقى هناك مجال للتخفي والمناورة والإدعاء، هذه الحرب ستعري من كان محتميا بالأمريكي والصهيوني، فيظهر في المكان الذي لا مفر له منه باختياره، وما جناه الجناة على أنفسهم، بأن باءوا بسخط من الله وملائكته وعباده الصالحين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!