كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

كيف نتذوَّق حلاوة الإيمان؟

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
قَالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله): «المُؤْمِنُ عَذْبٌ يُحِبُّ العُذُوبَةَ! وَالمُؤْمِنُ حُلْوٌ يُحِبُّ الحَلَاوَةَ!» (المحاسن ج2 ص408).
 
يثير هذا الحديث تساؤلاً جوهرياً حول ماهيَّة هذه العذوبة التي يتمتع بها المؤمن، وتلك الحلاوة التي يتَّصفُ بها ويتفرَّدُ بحبها دون سواه.
 
يكشف الإمام الكاظم (عليه السلام) بُعداً تكوينياً لهذه الحلاوة بقوله: «إِنَّا وَشِيعَتَنَا خُلِقْنَا مِنَ الحَلَاوَةِ فَنَحْنُ نُحِبُّ الحَلْوَاء» (الكافي ج6 ص321).
فالشيعة قد خُلقوا من طينة (عليين) كما الأئمة (عليهم السلام)، بينما خلق مخالفوهم من طينة خبالٍ من حَمَأ مسنون.
 
وكما تتنوع الأذواق المادية بين حُلوٍ ومُرّ، فإن للإيمان حلاوة روحية خاصة لا يتذوقها المرء إلا بتوفر شروط أساسية منها:
 
الشرط الأول: معرفة الله تعالى
 
تُعَدُّ معرفة الله البوابة الأولى لتذوق هذه الحلاوة، وهي مرتبةٌ يشترك فيها المؤمنون مع الملائكة.
فقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) ملائكة الرحمن الذين خلقهم الله خلقاً بديعاً وأسكنهم سماواته بأنهم تذوقوا حلاوة معرفته، فقال: «قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ، وَشَرِبُوا بِالكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِه» (نهج البلاغة ص130).
 
وفي الدعاء المروي عنه (عليه السلام): «إلهي.. وَلَوْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِكَ مَا عَرَفْت» (المزار الكبير ص152).
بَيدَ أنَّ هذه المعرفة مشروطةٌ بتخلية القلب من التعلُّق بالدنيا؛ فكما أن الكوب الممتلئ لا يتسع لغيره، فإن القلب الممتلئ بحب الدنيا لا يتسع لحب الله.
 
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إِذَا تَخَلَّى المُؤْمِنُ مِنَ الدُّنْيَا سَمَا، وَوَجَدَ حَلَاوَةَ حُبِّ الله، وَكَانَ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا كَأَنَّهُ قَدْ خُولِطَ! وَإِنَّمَا خَالَطَ القَوْمَ حَلَاوَةُ حُبِّ الله فَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِهِ» (الكافي ج2 ص130).
 
والزهد هنا لا يعني (زهد المتصوفة) بالانقطاع التام، بل يعني أن يأخذ المؤمن نصيبه المقدر من الدنيا، وفي ذات الوقت يقطع العلائق التي لا حد لها ويبتعد عن مغرياتها.
 
حينما تزهد هذه القلوب في الدنيا وتصغر عظمتها فيها، تعظم وتظهر عظمة الله، فتمتلئ هذه القلوب بمعرفته، مصداقاً لقول النبي (صلى الله عليه وآله): «لَا يَجِدُ الرَّجُلُ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ حَتَّى لَا يُبَالِيَ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا» (الكافي ج2 ص128)، وقول الصادق (عليه السلام): «حَرَامٌ عَلَى قُلُوبِكُمْ أَنْ تَعْرِفَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا» (الكافي ج2 ص128).
 
الشرط الثاني: معرفة الإمام (عليه السلام)
 
لا تكتمل معرفة الله إلا بمعرفة طريقه وبابه، وهو الإمام المنصوص عليه.
فلا يمكن للعبد أن يزعم معرفة ربه وهو يجهل الإمام الذي نصبه وافترض طاعته، يؤكد هذا المعنى الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «مَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) وَاجَبَ حَقِّ إِمَامِهِ وَجَدَ طَعْمَ حَلَاوَةِ إِيمَانِه» (بصائر الدرجات ج1 ص413).
فالتسليم المطلق لحق الإمام في أمره ونهيه هو مفتاح إضافي وحتميٌّ لتذوق حلاوة الإيمان.
 
الشرط الثالث: طاعة الله واجتناب معصيته
 
لا تُغني المعرفة والاعتقاد عن العمل، بل هما متلازمان؛ فلا يكون العبد مؤمناً حقاً بآل محمد إلا إذا كان لله مطيعاً.
 
يتجلى ذلك في وصية الإمام الباقر (عليه السلام) لجابر الجعفي: «يَا جَابِرُ أَيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ البَيْتِ؟! فَوَالله مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى الله وَأَطَاعَهُ!.. فَاتَّقُوا الله وَاعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ الله..
يَا جَابِرُ وَالله مَا يُتَقَرَّبُ إِلَى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَّا بِالطَّاعَةِ.. مَنْ كَانَ لله مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، وَمَنْ كَانَ لله عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ، وَمَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالعَمَلِ وَالوَرَعِ» (الكافي ج2 ص74).
 
وخلاصة هذا الشرط يوجزها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «صَابِرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَصُونُوهَا عَنْ دَنَسِ السَّيِّئَاتِ تَجِدُوا حَلَاوَةَ الإِيمَانِ» (عيون الحكم والمواعظ ص305).
 
فالجمع بين مجاهدة النفس على الطاعة وعصمتها من المعصية هو الميدان العمليُّ الذي يورث حلاوة لا يتذوقها أيُّ أحد؛ فإذا قام المؤمن ليلاً إلى محرابه والناس نيام، أو صام لله تعالى، وَجَدَ لذة لا يعرفها سواه.
وكذا كلُّ طاعةٍ لله، وكلُّ خلقٍ حَسَنٍ يورث الإنسان سكينةً، ويذيقه حلاوةً ترافقه حتى ساعة الوفاة والمحشر.
 
أهمية العمل ومنهجيته
 
ولما كان العمل ثمرة المعرفة وشرطاً لتذوق حلاوة الإيمان، تبرز هنا عدة قواعد منهجية للتعامل مع الطاعات:
 
1. لا شيء يعدل العمل:
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «عَلَيْكَ بِالعَمَلِ لله فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ فَلَا شَيْ‏ءَ يَعْدِلُ العَمَلَ» (التوحيد للصدوق ص269).
فالعمل هو المثبّت للاعتقاد الحق، وبتركه يكون العبد في معرض خسران كل ما ناله.
 
2. عِزُّ التقوى والأنس بالله:
تورث الطاعة استغناءً روحياً وأنساً بالله.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «مَا نَقَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ عَبْداً مِنْ ذُلِّ المَعَاصِي إِلَى عِزِّ التَّقْوَى إِلَّا أَغْنَاهُ مِنْ غَيْرِ مَالٍ وَأَعَزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ وَآنَسَهُ مِنْ غَيْرِ بَشَرٍ» (الكافي ج2 ص76).
 
3. أهمية استواء العمل:
المداومة على العمل وإن قلّ، خيرٌ من المبالغة في العبادة ثم الانقطاع عنها.
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ العَبْدُ وَإِنْ قَلَّ» (الكافي ج2 ص82).
 
4. الاقتصاد في العبادة:
تَجَنُّبُ الإفراط الذي يورث النفور والانقطاع.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُكَرِّهُوا عِبَادَةَ الله إِلَى عِبَادِ الله فَتَكُونُوا كَالرَّاكِبِ المُنْبَتِّ الَّذِي لَا سَفَراً قَطَعَ وَلَا ظَهْراً أَبْقَى» (الكافي ج2 ص86).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «لَا تُكَرِّهُوا إِلَى أَنْفُسِكُمُ العِبَادَةَ».
فكما قد يُحمِّل الإنسان نفسه ما لا تطيق فيكره العبادة، قَد يحملُ الآخرين على بعض أصناف الطاعة فيكره هؤلاء العبادة وتنفضُّ الناس من حوله.
 
5. الخير عادة (مغالبة النفس):
ترويض النفس على الطاعة يتم بالتدريج وتجنب المعاصي حتى تصبح الطاعة سجية.
رُوي: «عَوِّدْ نَفْسَكَ السَّمَاحَ وَتَخَيَّرْ لَهَا مِنْ كُلِّ خُلُقٍ أَحْسَنَهُ فَإِنَّ الخَيْرَ عَادَة» (تحف العقول ص86).
ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «غَالِبُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى تَرْكِ المَعَاصِي تَسْهَلْ عَلَيْكُمْ مَقَادَتُهَا إِلَى الطَّاعَاتِ» (عيون الحكم ص348).
ومع مرور الوقت، تأنس هذه النفس بالطاعة وتألفها؛ ولذا ينبغي أن يكون المرء حَذِرَاً من أن يألف المعاصي، فإن قانون الألفة حاكم.
 
6. الأثر الغيبي لأنفاس المطيع والعاصي:
للنيَّة أثر تكوينيٌّ غيبيٌّ تدركه الملائكة.
سُئل الإمام الكاظم (عليه السلام) عمَّا إذا كان الملكان يعلمان بهمّ العبد بالحسنة أو السيئة؟ فأجاب: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا هَمَّ بِالحَسَنَةِ خَرَجَ نَفَسُهُ طَيِّبَ الرِّيحِ، فَقَالَ صَاحِبُ اليَمِينِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ: قُمْ فَإِنَّهُ قَدْ هَمَّ بِالحَسَنَةِ..
وَإِذَا هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ خَرَجَ نَفَسُهُ مُنْتِنَ الرِّيحِ فَيَقُولُ صَاحِبُ الشِّمَالِ لِصَاحِبِ اليَمِينِ: قِفْ فَإِنَّهُ قَدْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ...» (الكافي ج2 ص429).
فإذا كان مجرَّد الهمّ يترك أثراً طاهراً أو منتناً، فما أعظم أثر الفعل نفسه على روح المؤمن!
 
كيف تظهر حلاوة الإيمان؟
 
لحلاوة الإيمان أثَرٌ يصعب كتمانه، تظهر آثاره على المؤمن بتلقائية وسلاسة.
يتضح هذا في حوار أبي جعفر الدوانيقي مع الإمام الصادق (عليه السلام) حين سأله مستغرباً: «يَا أَبَا عَبْدِ الله مَا بَالُ الرَّجُلِ مِنْ شِيعَتِكُمْ يَسْتَخْرِجُ مَا فِي جَوْفِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ حَتَّى يُعْرَفَ مَذْهَبُهُ؟
فَقَالَ (عليه السلام): ذَلِكَ لِحَلَاوَةِ الإِيمَانِ فِي صُدُورِهِمْ! مِنْ حَلَاوَتِهِ يُبْدُونَهُ تَبَدِّياً!» (صفات الشيعة ص15).
 
فمن ذاق هذه الحلاوة -المتولِّدة من المعرفة والعمل- فاضت على جوارحه ولسانه، ما لم يكن في إظهار معتقده ضررٌ يوجب التقية. فمن طابت روحه تذوَّق من الإيمان ما يفوق كل حلاوة.
 
ثبتنا الله على المعرفة ووفقنا للعمل.
والحمد لله رب العالمين

 

171041678965f2e39560bb2.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!