يمثل استثناء العراق من قرار إيران بحظر مرور السفن عبر مضيق هرمز تطوراً جيوسياسياً يحمل فرصاً إستراتيجية كبيرة، في وقت يضع فيه بغداد أمام اختبار حقيقي لاستثمار هذا الظرف الاستثنائي وتحويله إلى مكاسب مستدامة.
ويرى مختصون أن القرار، رغم أهميته، لا يعد حلاً نهائياً بقدر ما هو “نافذة أمل” تتطلب انتقالاً سريعاً من نمط الإدارة التقليدي للصادرات النفطية إلى نموذج أكثر مرونة لمواجهة التحولات المتسارعة في المنطقة.
منعطف جيوسياسي
و عدّ خبير الطاقة، د. فرات الموسوي، “الاستثناء الفني” للعراق من قيود الملاحة في مضيق هرمز، منعطفاً جيوسياسياً فائق الأهمية، مبيناً أنه ليس مجرد تسهيل مروري، بل هو “امتياز سيادي” يضع الدولة العراقية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة الأزمات وتحويل الاستثناء إلى استدامة.
وقال الموسوي: إن الاستفادة لا تتوقف عند حدود عبور الناقلات، بل تمتد لتشمل استعادة الموثوقية التصديرية عن طريق توجيه رسالة طمأنة للأسواق العالمية (وخاصة الزبائن الآسيويين) بأن تدفقات النفط العراقي “مضمونة” وبعيدة عن التجاذبات، مما يعيد للعراق حصته السوقية التي قد تكون تضررت خلال فترة القلق الملاحي.
مشدداً على استثمار هذا الاستثناء للتفاوض على خفض “علاوات مخاطر الحرب(“War Risk Premiums )التي تُفرض على الناقلات المتجهة للموانئ العراقية، مما يقلل الكلف اللوجستية الإجمالية.
تحديات وعقبات
وبشأن التحديات والعقبات الجوهرية التي يمكن أن تقف أمام الانتفاع من الاستثناء، أوضح الموسوي، أن الافتقار لأسطول وطني عملاق (VLCC) يجعل العراق رهينة لقرار الشركات الأجنبية؛ متسائلاً عن من يضمن أن الناقلات العالمية ستقبل دخول المنطقة حتى مع وجود استثناء سياسي؟ ولمعالجة احتمالية وقوع أخطاء فنية أو عسكرية في منطقة تعجُّ بالتوتر، مما قد يؤدي لإصابة ناقلات مستثناة، دعا إلى بروتوكول أمني عالي التنسيق.
لافتاً إلى أن العراق قد يواجه ضغوطاً من أطراف دولية أخرى ترى في هذا الاستثناء “ثغرة” في جدار العقوبات أو الضغوط المفروضة إقليمياً.
ودعا الحكومة والجهات القطاعية (وزارة النفط، سومو) إلى تفعيل نظام الشحن بنظام (CIF) عبر استئجار ناقلات عملاقة ترفع العلم العراقي لضمان شمولها بالاستثناء رسمياً، وتوفير حماية قانونية وسيادية للشحنات، وتشكيل لجنة تنسيق عليا (عراقية-إيرانية-دولية) لإصدار “شهادات مرور آمنة” معتمدة تمنع أي تداخل أو استهداف للناقلات المستثناة، فضلاً عن عدم الركون لهذا الاستثناء كحلٍّ دائم، بل استخدامه “كفترة سماح” لتسريع مشاريع الأنابيب البرية وإعادة تأهيل الخطوط الشمالية، لتحقيق توازن حقيقي بين المسارين البري والبحري.
مرونة تكنوقراطية
وختم الموسوي حديثه بالقول: إن الاستثناء في مضيق هرمز هو “فرصة مؤقتة” وليست “حلاً نهائياً”.
مؤكداً أن نجاح العراق في استثمار هذه الخطوة يعتمد على سرعة انتقاله من دور “المصدّر الساكن” الذي ينتظر وصول السفن، إلى دور “المصدّر النشط” الذي يدير أسطوله ومساراته بمرونة تكنوقراطية عالية.
على صعيد ذي صلة، وصف الخبير الاقتصادي، د. نبيل العبادي، استثناء العراق من حظر المرور في مضيق هرمز بأنه “نافذة أمل تتطلب قرارات جريئة”.
مبيناً أنه في تطور جيوسياسي نادر، أقدمت الحكومة الإيرانية على استثناء العراق من حظر المرور عبر مضيق هرمز، في قرار يحمل في طيّاته فرصة ذهبية للاقتصاد العراقي، شريطة أن تدركه الحكومة بوعي وتُترجمه إلى خطوات عملية.
اعتراف إقليمي
وأوضح العبادي، أنه على الرغم من أن المشهد مليء بالعقبات، مع استمرار حالة القوة القاهرة في حقولنا الجنوبية، وخروج طواقم شركات الخدمة الأجنبية، وإشكالية عبور السفن الفارغة إلى الموانئ العراقية، إلا أن النظرة الإيجابية تقول إن هذا القرار هو أول اعتراف إقليمي بأهمية استمرار تدفق النفط العراقي كعامل استقرار لا يمكن المساس به.
ولتحقيق أقصى استفادة من الاستثناء، دعا العبادي إلى فتح قناة تفاوضية مباشرة مع طهران لتوسيع الاستثناء ليشمل عبور السفن الفارغة القادمة لتحميل النفط، وليس فقط المغادرة، كما دعا إلى تقديم ضمانات أمنية مشتركة لشركات الخدمة الأجنبية لتشجيع عودة طواقمها، مع تحمل العراق جزءاً من تكاليف التأمين على الناقلات.
ورقة دبلوماسية
وشدد على ضرورة استثمار هذا المنحى الإيراني ورقة ضغط دبلوماسية مع واشنطن للحصول على إعفاءات من العقوبات تسمح للعراق بتعاملاته النفطية الطبيعية.
مؤكداً على أهمية عدم انتظار معجزة، بل العمل بالتوازي على تسريع مشاريع الممرات البديلة (ميناء الفاو وطريق التنمية) لئلا يبقى العراق رهينة مضيق واحد.
وخلص العبادي إلى أن القرار الإيراني ليس هدية، لكنه اعتراف بالحاجة للعراق، موضحاً أن استثماره يتطلب جرأة دبلوماسية وحراكاً أمنياً ولوجستياً سريعاً.
بدائل استراتيجية
وانتقد الباحث والأكاديمي، الدكتور عبد الكريم العيساوي، قصر نظر الحكومات المتعاقبة في العراق للعمل على إيجاد بدائل إستراتيجية لتصدير النفط والاعتماد كلياً على مضيق هرمز.
مستدركاً أن حكومة رئيسي الوزراء الأسبقين نوري المالكي وعادل عبد المهدي تفاوضتا لغرض إنجاز خطوط نقل النفط مع الأردن ومصر وسوريا إلا أنه لم يتحقق شيء على أرض الواقع.
وأضاف العيساوي، أن إغلاق مضيق هرمز جاء في توقيت صعب جداً على الاقتصاد العراقي الذي يعاني من أزمة في السيولة المالية، لافتاً إلى بعض الدول الخليجية المصدرة للنفط تستطيع تجاوز المضيق عن طريق تغيير مسارات نقل النفط، لكن هذه الاستجابة غير متاحة لجميع الدول ماعدا المملكة العربية السعودية التي يمكنها زيادة التصدير عبر أنابيب الشرق والغرب من بينها الخط العراقي إلى البحر الأحمر الذي استحوذت عليه أبان حرب الخليج الثانية، كما يمكن لدولة الإمارات العربية المتحدة زيادة تدفق النفط الخام عبر خط أنابيب أبو ظبي إلى خليج عمان.
خطوط الأنابيب
وتساءل العيساوي إن كان العراق يمتلك فرصاً لتنويع نقل النفط إلى شركائه الرئيسيين في آسيا مثل الهند والصين؟ مجيباً أن لديه فقط طريق النقل بواسطة خط أنابيب كركوك / جيهان وهو بطول 970 كم بعد الإسراع في جهود الإصلاح الممكنة.
وأشار إلى أن هذا الخط يتجاوز إقليم كردستان العراق مما يسهل من العمل التصديري.
لافتاً إلى أنه يمكن تفعيل وتنظيم نقل النفط الخام عبر الصهاريج التي يقدر عددها بنحو 7000 ألف صهريج إلى ميناء جيهان والعقبة في الأردن.
وتابع أنه يمكن على المدى المتوسط إحياء خط أنابيب كركوك / بانياس السوري بطول 856 كم بطاقة قدرها 300 ألف برميل يومياً.
مضيفاً أن إعادة إحيائه تتطلب إرادة سياسية باستغلال رغبة الحكومة السورية الجديدة لتفعيل الاستثمارات الأجنبية، إذ إن هذا الخط يلعب دوراً في تنويع اتجاهات الصادرات النفطية العراقية إلى أوروبا الصناعية ويكون منافساً لنفوط ليبيا والجزائر ونيجيريا.
حوار مع دول الجوار
ودعا إلى ضرورة سعي الحكومة إلى الحوار والتفاهم مع السعودية بشأن خط البصرة / ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر والذي يبلغ طوله نحو 1568.
موضحاً أن الحكومة العراقية اتفقت مع السعودية في ثمانينيات القرن المنصرم بشأنه وأنجزت المرحلة الأولى عام 1986.
وبين العيساوي، أن الطاقة الاستيعابية لنقل النفط الخام في هذا الخط تبلغ 1025 طن يومياً قابلة للزيادة، واستحوذت عليه السعودية كجزء من ديونها على العراق، وتستخدمه حالياً في نقل نفوطها ونفوط دولة الإمارات.
وشدد على ضرورة الإسراع في تنفيذ خط نقل النفط الخام من البصرة إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر وبطول 1700 كم.
مؤكداً أن هذا الخط له إمكانات الوصول إلى السوق المصرية المستهلكة للطاقة والحاجة المستمرة له، في ظل الحجم الكبير لسكان مصر، وكذلك التفكير بإقامة مصانع بتروكيمياوية في سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط مع وزارة النفط العراقية لزيادة القيمة المضافة للنفط الخام العراقي.
مسارات بديلة
في غضون ذلك، قالت المختصة في الشأن الاقتصادي، الدكتورة إكرام عبد العزيز: إن وزارة النفط اتخذت خطوات إستراتيجية لتأمين صادراتها، أبرزها تفعيل خط أنابيب كركوك / جيهان، والبحث عن مسارات بديلة لتجاوز اختناقات التصدير، مع تعزيز أمن الموانئ الجنوبية، والعمل على إنتاج مستقر للمصافي لضمان تدفق النفط.
وأضافت عبد العزيز، أن الوزارة تعمل على إعادة تأهيل وتشغيل أنبوب كركوك / جيهان التركي لتصدير نفط كركوك، لتعزيز الصادرات عبر الشمال.
كما يمكن أن تكون محافظة الأنبار جاهزة لتصدير النفط، مشيرة إلى أن الوزارة تواصل جهودها لحماية الثروة النفطية وتأمين سلامة العاملين والموانئ في البصرة، التي تشكل منفذ التصدير الرئيسي.
وبينت أن وزارة النفط تعمل على إدارة خزين المشتقات النفطية والحفاظ على خزين وافٍ من المشتقات النفطية وضمان استمرار عمل المصافي بطاقتها القصوى، مما يضمن استقرار إمدادات الوقود محلياً ويقلل الضغط على التصدير.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!