تلقّت الأممُ عبر التاريخ من فيض العلم الإلهي ما يُعينها على مواجهة تحديات الدنيا وبناء حضاراتها، ولو أنصف التاريخُ لقال: إنَّ كل ما وصل إليه العالَمُ اليوم من فتوحاتٍ علمية، ليس إلا شربةَ غرابٍ اغترفها من نهر جعفر الصادق (عليه السلام).
إنَّ الحضارة الحديثة، بتطورها المذهل، مَدينةٌ في جوهرها لتلك المدرسة الفكرية التي أرست قواعدها في لحظة تاريخية فارقة. فبينما كانت الدولة الأموية تلفظ أنفاسها الأخيرة، انبعث من فيض الإمام محمد الباقر (عليه السلام) صرحٌ علمي شامخ، بُنيت أعمدته على إرث النبوة، وامتدت جذوره من أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن والحسين (عليهم السلام)، الذين ساهموا بشكل كبير في إعداد هذه المدرسة التي بقي أثرها خالداً إلى يومنا هذا.
وإذا كان الإمام الباقر (ع) هو من بقر العلم وفتح أبواب هذا الصرح العلمي، فإن ابنه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كان هو المعلم والمؤدب والمُشرّع لآفاقه. لقد أذهل الصادقُ الدنيا بعلومٍ لم تعرف الحدود؛ من الكيمياء والفيزياء إلى الطب والرياضيات، ومن الفلك والفقه إلى اللغة وأصول الفكر، حتى غدا العالمُ عالةً على علمه الذي لا مثيل له في زمنه.
لقد كان الإمام الصادق (ع) عبقريَّ الاستراتيجية؛ حيث اقتنص فرصة الصراع المحتدم بين الأمويين والعباسيين—الذين رفعوا شعاراتٍ خادعة باسم أهل البيت ليستهووا عامة الناس—ليؤسس مدرسةً فكرية لا تنهزم. لم يكتفِ بالتعليم، بل ناظرَ، وحاورَ، وهدمَ أفكار المضللين من على منبر الحق. ولأنه جعفر الصادق، كان لزاماً على أصحاب الأهواء أن يحاربوه؛ فظهرت أصواتٌ حاولت الردَّ عليه، كأبي حنيفة الذي لخص صراعه مع الحقيقة بقوله الشهير: خالفتُ جعفر الصادق في كل شيء.
ولأنَّ الحقَّ مرٌّ في مذاقِ الطغاة، ولأنَّ نورَ الصادقِ كان يفضحُ عتمةَ كراسيهم، امتدت يدُ الغدرِ بالسمِّ لتطفئَ في جسدِهِ شعلةَ الحياة، فارتقت رُوحُه الطاهرةُ إلى بارئِها مسموماً شهيداً ومظلوماً. لقد ظنّوا—واهمين—أنَّ السمَّ سيقطعُ دابرَ عِلمِه، وما دَرَوا أنهم بدفنِ جسدِهِ في البقيع إنما غرسوا في قلبِ التاريخِ شجرةً لا تَذبل، جذورُها في المدينة، وأغصانُها تمتدُّ لتطالَ كلَّ عقلٍ يقرأ، وكلَّ قلمٍ يكتب.
رحلَ الصادقُ وبقيَ اليمُّ هادراً، وما زال العالم اليوم يقتاتُ على فتات موائده العلمية، وما زال الغراب يغترف من ذلك اليمّ الذي لا يزيده العطاء إلا اتساعاً. سلامٌ عليك يا إمامَ المذهب، ويا مُشرعَ أبوابِ الفكر، سلاماً يتردد صداه في ملكوتِ المعنى ما بقيَ يَمٌّ، وما غردَ طائرٌ في سماءِ اليقين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!