كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين ينتصرُ الدستورُ على التوافق السياسي

 أخيرا، انتصرَ الدستور على منطقِ التوافقِ والمحاصصةِ المقيتةِ بصورتها الواضحة، حيثُ جرى انتخابُ رئيسِ الجمهوريةِ بعدَ سلسلةٍ منْ التأجيلاتِ التي كانتْ تنتظرُ توافقاتِ بعضِ الأطرافِ السياسيةِ على هذا المنصبِ، وبعدَ انتظارٍ طويلٍ على أملِ أنْ تفضيَ الاتفاقاتُ إلى مرشحٍ توافقي، باءتْ تلكَ المحاولاتِ بالفشل.
   لقدْ تجلتْ الشجاعةُ في القرارِ الذي أفضى إلى إجراءِ انتخابِ رئيسِ الجمهورية، بدعمٍ واضحٍ منْ الشعبِ العراقيِ وقضائهِ العادلِ الذي تمسكَ بالمسارِ الدستوريِ ورفضَ المماطلةَ التي تمارسُ باسمِ التوافق.
   ومنْ هنا، لا يجوزُ ربطَ مستقبلِ بلدٍ كالعراقِ بتوافقِ عددٍ محدودٍ منْ الشخصياتِ السياسيةِ كيْ يسيرَ في مسارهِ الصحيح؛ فالعراقَ بتاريخهِ العريقِ وإرثهِ الكبيرِ أكبرَ منْ أيِ شخصية، وهوَ اليومُ يضمُ أكثرَ منْ( 46) مليونِ مواطنِ وفق آخرٍ إحصاءِ سكاني، ولا يمكنُ أنْ يختزلَ بمواقفِ أفرادِ مهما كانتْ مواقعهم.
  وينبغي أنْ تتواصلَ هذهِ الخطوةِ بترشيحِ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ بنفسِ القوةِ والزخم، دونُ الدخولُ في دوامةِ انتظارٍ جديدةٍ أضرتْ بتجربتنا الديمقراطيةِ الفتية.
  ومنْ الإيجابيِ أيضا، وجودُ معارضةٍ منْ الكتلِ التي قاطعتْ جلسةَ انتخابِ رئيسِ الجمهورية، سواءً منْ العربِ أوْ الكرد؛ فهذهِ هيَ الديمقراطيةُ الحقيقيةُ معارضةً تراقبُ وتنتقد، وسلطةُ تنفيذيةٌ تتحملُ المسؤولية.
 أما الجمعُ بينَ كونَ الأحزاب- في الوقتِ نفسه- معارضةٌ وحكومة، فذلكَ مزيجٌ لا وجودَ لهُ في أيِ نظامٍ ديمقراطيٍ في العالم. سننورُ القارئِ ببعضِ النصوصِ الدستوريةِ بعد إجراءِ الانتخاباتِ والمصادقةِ عليها.
-    دستور جمهورية العراق
     يتضمن دستور جمهورية العراق 2005 نصوصًا دستورية واضحة تنظم المدد الزمنية والإجراءات التي تلي إعلان نتائج الانتخابات، بدءًا من انتخاب رئيس الجمهورية وصولًا إلى تكليف رئيس مجلس الوزراء، وذلك على النحو المبين أدناه: 
أولا. التسلسل الزمني بعد إجراء الانتخابات حسب الدستور
1.    المصادقة على نتائج الانتخابات. 
2.    خلال 15 يوم → انعقاد مجلس النواب .
3.    في أول جلسة → انتخاب رئيس المجلس ونائبيه .
4.    خلال 30 يوم من أول جلسة → انتخاب رئيس الجمهورية .
5.    خلال 15 يوم من انتخاب الرئيس → تكليف رئيس الوزراء .
6.    خلال 30 يوم من التكليف → تشكيل الحكومة.
ثانيا. النصوص الدستورية
1-    انعقاد مجلس النواب بعد الانتخابات
المادة (54): يدعو رئيس الجمهورية مجلس النواب للانعقاد خلال مدة لا تتجاوز (15) يومًا من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات العامة.
2-    انتخاب رئيس مجلس النواب
المادة (55): ينتخب مجلس النواب في أول جلسة له رئيسًا ثم نائبين بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس.
3-    انتخاب رئيس الجمهورية:
 المادة (70/أولاً): ينتخب مجلس النواب رئيس الجمهورية من بين المرشحين بأغلبية ثلثي عدد أعضائه.
المادة (70/ثانياً): إذا لم يحصل أي مرشح على هذه الأغلبية، يتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، ويُنتخب من يحصل على أكثرية الأصوات.
4- مدة انتخاب رئيس الجمهورية:
 المادة (72/ثانياً/ب): يستمر رئيس الجمهورية بممارسة مهامه إلى ما بعد انتهاء انتخابات مجلس النواب واجتماع المجلس الجديد، على أن يتم انتخاب رئيس جديد خلال (30) يومًا من تاريخ انعقاد أول جلسة لمجلس النواب.
5- تكليف رئيس مجلس الوزراء (تشكيل الحكومة):
 المادة (76/أولاً): يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا بتشكيل مجلس الوزراء خلال (15) يومًا من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.
 المادة (76/ثانياً):  يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية أعضاء وزارته خلال مدة أقصاها (30) يومًا من تاريخ التكليف. 
المادة (76/ثالثاً): إذا فشل رئيس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة خلال هذه المدة، يكلف رئيس الجمهورية مرشحًا جديدًا خلال (15) يومًا.
    في الختام، ومع نجاح البرلمان العراقي في انتخاب رئيس الجمهورية الجديد، يمكن القول إن لحظة التصويت هذه شكّلت محطة مهمة في مسار استعادة روح الدستور وتقديمه على اعتبارات المحاصصة الضيقة. فقد أثبتت العملية أن الإرادة السياسية، حين تتجه نحو الالتزام بالنص الدستوري واحترام آلياته، قادرة على تجاوز التعقيدات والخلافات وإعادة الثقة بالمؤسسات. وبذلك، لا يُعدّ هذا الانتخاب مجرد إجراء بروتوكولي، بل خطوة تحمل دلالة أعمق على إمكانية ترسيخ دولة القانون وتعزيز الاستقرار السياسي، إذا ما استمر هذا النهج وتكرّس في الاستحقاقات القادمة.

نزار.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!