كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

العناد السياسيِ والفسادِ الإداريِ:  وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ

  يشكّل العناد السياسي والفساد الإداري منظومة مترابطة، تُفضي إلى خلل مؤسسي عميق يهدّد كفاءة الدولة، ويقوّض سيادة القانون. فعندما يتمسّك صانع القرار، برأيه بمعزل عن مبادئ الحوكمة الرشيدة—مثل المشاركة والشفافية والمساءلة—يفقد القرار الإداري وظيفته في خدمة الصالح العام، ويتحوّل إلى أداة لترسيخ المصالح الضيّقة، مما يفضي إلى تهميش الكفاءات وتقديم الاعتبارات الشخصية على الأسس المهنية.
    وفي المقابل، لا يقف الفساد الإداري موقف المتلقّي، بل يُسهم بفاعلية في تكريس هذا العناد؛ إذ تعمل شبكات المصالح على تحصين مراكز النفوذ، وإضعاف آليات الرقابة والتدقيق، والالتفاف على النصوص القانونية، بما يُفرغها من مضمونها ويُعطّل دورها الردعي. وبهذا تتشكّل حلقةٌ مغلقة يتغذّى فيها العناد السياسي على الفساد الإداري، ويستمدّ الفسادُ استمراريته من غياب الإرادة الإصلاحية.
       ومع تطور المجتمعات، لم يعد العناد السياسي مقبولًا كما في السابق، بل أصبحت لغة الحوار والتفاهم هي الأساس في إدارة الخلافات وبناء الأوطان، غير أن بعض الممارسات، مثل شراء الولاءات أو استغلال الشارع لتحقيق مكاسب ضيقة، ما زالت تُستخدم بطرق تُفرغ العمل السياسي من مضمونه الإصلاحي، وتحوله إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية بدلًا من خدمة المجتمع.
        ولتوضيح خطورة سوء الفهم واستغلال المواقف، يُروى في التراث أن أحد المسؤولين زار منزلًا جميلًا على ضفاف دجلة، فأُعجب به، فقال له صاحب الدار مجاملةً: "تكبّل يا طويل العمر"، وهي عبارة لا تُؤخذ على محملها الحرفي، لكن المفاجأة كانت في اليوم التالي، حين أُرسلت سيارات من ضيف الأمس لنقل آثاث صاحب المنزل، بحجة أن المنزل قد أُهدي له! هنا تتجلى المشكلة: حين يُساء فهم الكلام أو يُستغل لصالح طرفٍ ما، تتحول المجاملة إلى وسيلة للاستحواذ، تمامًا كما يتحول العناد السياسي إلى مدخلٍ للفساد.
     وهذا المشهد يشبه حال بعض السياسيين الذين يصرّون على نيل المناصب ، بعد مجلملتهم ببعض الكلمات، رغم الرفض الواضح، فيحيطون أنفسهم بالمؤيدين، ويقدّمون التنازلات ، لكسب القبول، غير مدركين أن الزمن تغيّر، وأن المجتمعات أصبحت أكثر وعيًا، تبحث عن الكفاءة والنزاهة لا عن العلاقات والمجاملات.
    إن المسؤول الحقيقي، هو من يراجع نفسه عند الرفض، ويُدرك أن المنصب مسؤولية لا امتياز، وأن إفساح المجال للكفاءات الشابة، ليس خسارة بل ضرورة لتجديد الدماء في مؤسسات الدولة، فالعناد لا يجلب إلا الانقسام، بينما يفتح التواضع والحوار باب الإصلاح.
   في النهاية، لا يمكن لدولة أن تنهض في ظل عناد سياسي يُغذّي الفساد، ولا في ظل فسادٍ يُحصّن هذا العناد. الطريق إلى الاستقرار والتنمية يمر عبر الشفافية، والمساءلة، والانفتاح على الرأي الآخر، حيث تكون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتكون السلطة تكليفًا يُمارَس بحكمة، لا وسيلةً للهيمنة أو تحقيق المكاسب الشخصية. إن معالجة هذه الإشكالية المركّبة ، لا يمكن أن تتم بمعزلٍ عن إصلاحٍ مؤسسي شامل، يُعيد الاعتبار لمبادئ الدولة ، ويُفعّل أنظمة المساءلة، ويضمن استقلالية الأجهزة الرقابية، فضلًا عن ترسيخ ثقافة إدارية قائمة على الكفاءة والنزاهة، لا على الولاء والمصالح، فبدون كسر هذا الترابط، ستبقى الدولة رهينةً لمنظومة تُقوّض استقرارها وتُعيق مسارها التنموي.

العناد_السياسي.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!