كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

لماذا المسلمون احق بالتقوى من غيرهم. هل تجاهل السيد المسيح (كلمة التقوى).

 تعهد إبليس أمام الله معلنا بداية هجومه على الإنسان (لأضلنهم). فسلّحهم تعالى بـ (التقوى) التي هي أهم عامل من عوامل تقوية وتثبيت الإيمان. الوعود الباطلة والأمنيات الكاذبة أهم وسائل إبليس للإيقاع بالناس. (يعدهم ويُمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا).(1) ولذلك فإن قوام التشريعات الإلهية يقوم على عامل التقوى. ولما فشلت الأمم السابقة ورفضت قبول كلمة التوحيد أجل سعادتهم، سلبها الله منهم ووضعها في محلها فالله تعالى يعلم حيث يجعل رسالته. ولذلك نقرأ في القرآن حول التقوى قوله تعالى (ألزمهُم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها). تقواهم تدفعهم إلى قبول الشهادتين من دون تردد، لأن كلمة التوحيد هي أساس التقوى، وليس مثل الأمم السابقة التي ترفعت فرفضت التوحيد وكفرت وأشركت فقال تعالى عنهم: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون). الصافات : 35.
التوراة تقدم لنا أروع آيات التقوى ، ولكنهم مما يؤسف لهُ اشركوا وزعموا أن عزير ابن الله ولكن لو تفحصت التوراة لوجدت صورة باهتة للتقوى لا زالت تلوح كأنها سراب، وأما القرآن فهو أيضا يُقدم لنا أروع آيات التقوى والتمسك بها فهي الأساس الذي ترشح منهُ كلمة التوحيد، ولكن لو تفحصنا الإنجيل فإننا سوف نفتقد هذه التقوى، فلم يرد لها ذكر، فهل نسى السيد المسيح قومه فلم يأمرهم بالتقوى؟.
فقد أكد موسى في التوراة والأنبياء من قبله على التقوى كمبدأ للتوحيد وعامل ردع للقوى الشريرة في جسد الإنسان. وهكذا فعل الأنبياء كلهم ضمن رسالة موسى فقد كانوا يأمرون الناس بالتقوى لقمع الشهوات. تقول التوراة: (إن قبلت لخدمة الرب الإله، فاثبت على البر والتقوى).(2) فكل الأنبياء أكدوا على التقوى وتشددوا على أتباعهم بالالتزام بها، وقد ذكر القرآن بأن التقوى مطلبٌ إلهي ألزم بها عباده : (فأنزل اللهُ سكينتهُ على رسولهِ وعلى المؤمنين وألزمهُم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها).(3) فكانت هذه الأمة أحق بها في إشارة إلى الأمم السابقة التي فقدت أو حرّفت كتبها وأشركت بالله ولم تتقه حق تقاته. لا بل أن الله تعالى اعتبر التقوى أهم زاد يصحبهُ الإنسان معهُ في الدنيا والآخرة فقال تعالى: (تزودوا فإن خير الزاد التقوى).(4) والتقوى عمل وليس تفاخر وتظاهر وقد نهى الله تعالى أن يُظهر الإنسان التقوى على شكل تزكية لنفسه، لأن التقوى هي خلوص النيّة، لا كثرة الأعمال الظاهرة التي قد تشوبها التزكية، فقال تعالى : (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلمُ بمن اتقى).(5) وقد خصص الإسلام مساحة واسعة جدا للتقوى فإضافة إلى الآيات القرآنية التي تأمر بالتقوى، هناك كم كبير من الأحاديث التي تحث على التقوى والالتزام بها، لأن التقوى أعلى درجات الإخلاص. ولكن الغريب العجيب أن تتجاهل الأناجيل من بين جميع الكتب السماوية هذه الخاصية الفريدة التي ألزم الله تعالى بها عباده. فلم ترد كلمة (التقوى) في الأناجيل الأربعة. وكأن السيد المسيح عليه السلام إما تعمد تجاهلها وهذا محال. وإما أنهُ رأى أن أتباعه لا يستحقونها لعلمهُ بحالهم من بعده، وأن السيد المسيح علم أن هناك أمة أخرى (كانوا أحق بها وأهلها) وهم المسلمون. أو أن الله تعالى رفعها منهم كما رفع الصلاة وبقية التكاليف لعلمه بدواخل نفوسهم وما سوف يؤول إليه أمرهم. أو أن التقوى موجودة وأن عيسى امر بها كما فعل الأنبياء قبله ، ولكنها اختفت مع اختفاء إنجيل السيد المسيح الصحيح. ودليل نزول كلمة التقوى على لسان السيد المسيح أن برنابا لم يهملها في إنجيله بل ذكرها وربطها بأهم تعاليم السيد المسيح ، كما يقول : (أجاب يسوع: أن كل فكر عار من التقوى يأتي من الشيطان، والتقوى هي قدوة الأطهار والأنبياء التي يجب علينا اتباعها، وإنما هي محبة الله التي يجب أن يعمل بموجبها كل شيء).(6) ولربما يعود سبب رفض المسيحية لإنجيل برنابا لأنهُ يأمر بالتقوى أيضا التي هي المرآة الصافية لكلمة التوحيد. والأغرب من ذلك أن بولس عندما طرح إنجيله للعلن كبديل عن إنجيل السيد المسيح، وزعم أنهُ رسول وقام بالتبشير به معتبرا الخلاص بإنجيله وليس باتّباع السيد المسيح كما يقول : (في اليوم الذي فيه يَدينُ اللهُ سرائرَ الناسِ حسب إنجيلي).(7) فنسف إنجيل المسيح وقدم إنجيله كوسيلة للخلاص. بولس هذا ذكر في عدة مواضع من إنجيله كلمة (التقوى). متأثرا بثقافته التوراتية السابقة. ولكن برنابا ومن أجل أن لا ينخدع الناس بمكر بولس قام بالإشارة إلى دور بولس الشيطاني الخبيث، فيصف لنا برنابا كيف استغل بولس التقوى لتضليل الكثيرين كما نقرأ (الآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر به الله دائما، الذين ضل في عدادهم بولس وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله، وليكن الله معكم وليحرسكم من الشيطان).( 8 )
من خلال ما قاله برنابا بحق بولس تبين لنا سر اختفاء كلمة التقوى من كل الأناجيل الموجودة بين أيدينا اليوم. وتبين أن بولس تقمّصها واختزلها لنفسه ليتاجر بها و يخدع بها الناس.
وهذا ما رأيناه يلوح بكل وضوح في كلمات المفسرين للأناجيل حيث اعتمدوا اعتمادا كليا على تخرصات بولص في وضع أسس التفسير لكلمة التقوى، فالمفسّرون لما رأى خلو الأناجيل الأربعة من هذه المفردة وحلول الثالوث بديلا لها. ذهبوا إلى إنجيل بولس، فوجدوا أن سرّ التقوى هو الإيمان بأن الله تعالى ظهر في الجسد. كما نقرأ: (بالإجماع عظيم هو سر التقوى: الله ظهر في الجسد).(9) ولا ندري من أين جاء بولس بهذه البدعة بأن الله تعالى نزل في رحم امرأة يهودية ليولد ويحل في جسد السيد المسيح فحتى التوراة تخلو من ذلك. فاتكأ المفسر المسيحي على هذا النص الوحيد الغريب ليُقدم لنا صورة أوضح لهذا التجسد ويعتبرهُ الأساس الذي ترتكز عليها المسيحية ، فيقول في تفسيره لقول بولس : (سر التقوى: الله ظهر في الجسد) : (الحياة التقويَّة التي صارت لنا بالتجسد الإلهي، فسر التقوى هو سر التجسد، اتحادنا مع الله الآب في ابنه هو الذي يعطينا الحياة التقويَّة، هذا هو الحق الذي تدافع عنه الكنيسة، ولا طريق آخر للحياة التقويَّة فالتجسد الإلهي ليس عقيدة فلسفية تعتنقها الكنيسة للمجادلة وإنما سر حياتها التقويَّة وأمجادها الداخلية وأمجادها المستقبلية).(10) شرح الكتاب المقدس، العهد الجديد، القمص أنطونيوس فكري تفسير رسالة تيموثاوس الأولى: 3.
برنابا المخلص الوفي للسيد المسيح كان يدخل كل مكان يدخلهُ بولس فيقوم بفضحه حتى عثر عليه في أحد المناطق وتشاجر معهُ وطرده ، وقد ذكر برنابا أسباب الشجار الذي حصل بينه وبين بولس هو أن بولس كان يتظاهر بالتقوى من أجل تشويه رسالة السيد المسيح. ونظرا لصدق برنابا وثقل كلمته بين الناس اضطر كاتب سفر الأعمال إلى ذكر هذه المشاجرة فقال : (فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر. و برنابا اخذ مرقس وسافر إلى قبرس).(9) ومن هنا نعرف أن كلمة (التقوى) ليس وحدها التي اختفت من إنجيل السيد المسيح بل أن برنابا نظرا لمواقفة المشرّفة وتقواه وكشفه لألاعيب بولس تسبب بولس باختفائه وإزاحته من طريقه هو وإنجيله حيث استعان باليهود والرومان لمطاردة برنابا. فاختفى برنابا خوفا على إنجيل المسيح في كهف بالقرب من مسقط رأسه في تركيا في كهف على مشارف منطقة حكاري، ليتم العثور على رفاته في سنة 1984وبجواره إنجيله.(11)
بالاتجاه إلى الإسلام ، فاني لم اجد صورة واضحة لمفهوم التقوى في جميع المذاهب السنّية، فهم يختلفون في تفسيرها اختلافا عجيبا. وعند الشيعة فقد اختصروا تفسيرا بكلمات جامعة شاملة وكلها وردت عن سادة العصمة آل بيت رسول الله صلوات الله عليه وآله.
عن الإمام علي عليه السلام قال: (أيسرّك أن تكون من حزب الله الغالبين؟ اتق الله سبحانه وأحسن في كل أمورك، فإن الله مع الذين اتقوا والذي هم محسنون). (12)
المصادر:
1- النساء : 120. تتبين خسارة الإنسان الفادحة يوم القيامة عندما يرى الشيطان يتخلى عنهُ (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان).
2- سفر يشوع بن سيراخ 2 : 1.
3- الفتح : 26. وجاء في الحديث أن رأس كلمة التقوى هي (لا إله إلا الله) التي يتقون بها النار. وجاء في تفسير الأمثل ونور الثقلين أن كلمة التقوى هي : لا إله إلا الله. عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام عن النبي (ص) في حديث يفسر فيه : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قال (ص) لى ، وقوله: لا إله إلا الله يعني وحدانيته لا يقبل الله الأعمال إلا بها، وهي كلمة التقوى يثقل الله بها الموازين يوم القيامة. أن تقواهم تدفعهم إلى قبول الشهادتين من دون تردد، وليس مثل الأمم السابقة التي رفضت ذلك وكفرت وأشركت فقال تعالى عنهم: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون). الصافات : 35.
4- البقرة : 197.
5- النجم: 32.
6- إنجيل برنابا. الفصل الرابع والسبعون، تحقيق خليل بو سعادة. نشر دار الحكمة.
7- رسالة بولس رومية 2: 16.
8- إنجيل برنابا الفصل الأول ، ترجمة خليل بو سعادة ، منشورات دار الحكمة.
9- رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس 3: 16. التجسد كما في قاموس الكتاب المقدس : أن الله قد تنازل واتخذ جسدا إنسانيا، اتحادا كاملا بطبيعته الإلهية، ليظهر بين البشر على الأرض، ليس مجرد ظهور في شكل إنسان، بل هو اتحاد حقيقي في الجسد الذي اتخذهُ من العذراء مريم.
10- سفر أعمال الرسل 15: 39.
11- الباحث في الأديان محمد عطا رحيم أوصله التحقيق بأن (إنجيل برنابا هو الإنجيل الوحيد المعروف المتبقي الذي كتبهُ تلميذ المسيح ، وتم قبوله كإنجيل قانوني في كنائس الإسكندرية حتى عام 325 م). محمد عطا الرحيم ، يسوع ، نبي الإسلام، ص. 41. وكذلك من المحققين: م . أ. يوسف الذي أثبت بأن ( في العصور القديمة ، لا يُمكن لأي إنجيل آخر أن يقترب من إنجيل برنابا صحة وأصالة). أ.م . يوسف، مخطوطات البحر الميت، إنجيل برنابا والعهد الجديد. ص 5.
12- ميزان الحكمة، الري شهري ج4 ص: 3638.

التقوى_البحث.png

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!