روي عن الإمام الكاظم "عليه السلام" في حديث طويل قال: يا هشام كان أمير المؤمنين "عليه السلام" يقول: ما عُبِدَ اللهُ بشيٍ أفضل من العقل ....)).
(وسائل الشيعة، الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، ج١٦ ص١٨٧ الحديث ١٣)
إنَّ الحديث المبارك فيه بيان لمقام العقل عند الإنسان المؤمن ومنزلته وآثاره، وهذا المقطع من وصية عظيمة عن الإمام الكاظم "عليه السلام" لتلميذه هشام بن الحكم، والتي هي من عيون الوصايا الإسلامية في تربية الإنسان والمجتمع، وتؤكد على مقام العقل في المنهج الإسلامي.
وهذا الحديث بعد بيانه أنَّ العقل له دور كبير في غبادة الله تعالى وطاعته، حيث لا يخفى أنَّ وظيفة العقل هو الإداراك، وبأدنى تأمل منه يدرك أنه مخلوق، وكل مخلوق يحتاج إلى خالق!! فعلينا أنْ ندرك معنى الخالق وما يتعلق به .. وهكذا في جميع هذه الموجودات التي تتحتاج إلى تأمل، كما حث القرآن الكريم في كثير من الآيات المباركة، قال تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)) [آل عمران: ١٩٠].
وبعد ذلك يؤكد على 14 موضوعًا من المواضيع المهمة التي لا يستغني عنها المؤمن في بناء شخصيته من جهة، وأداء رسالته من جهة أخرى، من خلال 12 فقرة، ينبغي معرفتها؛ ليكون على بينة من ذلك.
وهذه المواضيع إجمالًا :
1- الأمان من الكفر والشر.
فالعاقل المؤمن يدرك أنَّه مخلوق والله تعالى هو الخالق فهناك علاقة وثيقة بين الله وعبده وهو حق الطاعة وعدم التخلف عن ذلك، فلذا لا يصدر منه الكفر بأنواعه الخمسة الواردة في الروايات الشريفة، ويؤمن أنَّ الشر من رذائل الأخلاق ومصدره الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وعلى وفق حق الطاعة وتهذيب النفس وكماله فهو يطهِّر التفكير والأقوال والأفعال بالشر وما يتعلق به من مصاديق مختلفة كثيرة.
فهي رسالة واضحة في جهاد النفس وتهذيبها عن هذه الرذائل العقدية والخُلُقية، وضرورة تطهير النفس منها، وعدم الغفلة عن تسويلات الشيطان ووسوسته في تزيين الكفر والسوء والباطل.
2- الإيمان بالرشد والخير.
فالعاقل المؤمن على وفق نظرية حق الطاعة من جهة، ونظرية الكمال الإنساني من جهة أخرى، فهو يبتغي ذلك الكمال الشخصي والنوعي، وعلى مستوى الفرد والمجتمع في التمسك بهذه الفضائل التي دعا إليها العقل والشرع، فهو يبحث عن رشده في الصلاح والاستقامة والهداية، وعن مواطن الخير التي تؤدي إلى راحة باطنه في أداء رسالته الإنسانية تارة، والإنصات والعمل بالدعوة الإلهية تارة أخرى، حيث قال تعالى: ((قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)) [الجن: ١-٢]، وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [الحج: ٧٧]
فهي رسالة واضحة في جهاد النفس وضرورة التحلي بهذه الفضائل والوصول بالنفس إلى مكارم الأخلاق، والعمل الجاد على ذلك من دون توانٍ.
3- السعي في الإنفاق.
إنَّ الإنفاق في سبيل الله تعالى من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، فهي طهارة للنفس من حبِّه والسعي في اغتنامه بأي طريقة ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)) [التوبة: ١٠٣]، وهو تمرُّد على تلك الأنانية التي يعيشها بعض الناس حيث أنهم كما وصف الله تعالى أنفسهم الملوثة ((وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)) [الفجر: ٢٠]، وهو رسالة تحذير للذين يمنعون الحق الشرعي الذي بذمتهم ويجب عليهم أداءه إلى مستحقيه وعواقب ذلك ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)) [التوبة: ٣٤-٣٥]، ورسالة أمان وأمل في بيان عظمة هذا المنهج الإلهي في استثمار نعمة الأموال ((مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) [البقرة: ٢٦١] وغيرها من الآيات المباركة التي تؤكد للعبد ذلك المنهج الإلهي العظيم.
فهي رسالة واضحة في جهاد النفس ودعوتها للتمسك بتعاليم الشريعة المقدسة في أداء الحقوق المالية الواجبة من جهة وعدم التقصير والمعصية بذلك، والدعوة إلى استثمار هذه النعمة لتكون مصدر راحة للنفس وطمأنينة في الدنيا والآخرة، فضلًا عن الثواب العظيم والمنزلة الرفيعة.
4- الصمت عن فضول الكلام.
إنَّ ابتعاد الإنسان عن كثرة الكلام وفضوله بصورة عامة، والمؤمن بصورة خاصة دلالة على توازن الشخصية، واحترامها لمقامها وحفظها عن المزالق، فاللسان أداة للتعبير عن باطن الإنسان، وترجمان لأفكاره ومعتقداته ونواياه، وعليه أنْ يكون حذرًا من الخوض في كل موضوع، ممتثلًا لنداء الشريعة المقدسة في نصيحته العظيمة ((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)) [الإسراء: ٣٦]، بل يحذر من آثار ذلك كما بيَّن الله تعالى ذلك ذامًّا لصفات بعض الناس، ويطهر نفسه منها قبل الندم ((مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ .... وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ)) [المدثر: ٤٢-٤٥]، وإنما يكون لسانه أداة للحق حيث موارده ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)) [الأحزاب: ٧٠]، والروايات الشريفة في ذلك كثيرة تؤكد أهمية ذلك.
فهي رسالة واضحة في جهاد النفس ودعوتها للحذر من الكلام في كل موضوع يعرفه أو لا يعرفه كما نرى بعض الناس للأسف وهم على هذه الصفة المذمومة من جهة، وضرورة أنْ يكون المؤمن مراقبًا لنفسه وما يصدر عنها من كلام تجاه الآخرين قليلًا أو كثيرًا، والمحافظة على شخصيته من جهة أخرى.
(هذا ما أستطيع بيانه مع كثرة الأشغال .. وهموم البال .. )
5- الزهد في الدنيا والكفاف.
6- محبة طلب العلم.
7- كرامة العزة مع الله.
8- التواضع.
9- تكريم صاحب المعروف.
10- قهر النفس عن العجب.
11- الرؤية الإيجابية للمجتمع.
12- إذلال النفس وكسرها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!