كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الحكومة في نهج البلاغة

 لا يمثل مفهوم الحكومة في نهج البلاغة أي محتوى سلطوي، ولا يمتلك رئيسها أي امتياز معيشي مادي، ويكون الناس بحسب هذا التعبير المنهجي البليغ رعية جماعة، تقع مسؤولية رعايتها، والسهر عليها، وحراستها على عاتق الرئيس.
 والحكومة لا تعني الملكية، بل هي تكليف يتحمل المسؤول على أساسه مسؤولية كبيرة، والشعب بكل قيمه وأهدافه، والعناصر المشكلة لهويته تقع مورد الرعاية، فهذا هو مفهوم الحكومة عند الامام علي (عليه السلام) إذ ورد في بداية عهده لمالك الأشتر (رضوان الله عليه): (جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها)، هكذا عين مالك الاشتر كحاكم على مصر، لأجل ادارة الأمور المالية والإدارية للبلاد، ومحاربة أعداء الشعب، والسعي الاصلاحي للناس بجميع أبعاد هذا الصلاح المادية والمعنوية الواسعة.
 وقد طرح في نهج البلاغة مسؤولية قيام الحكومة ببناء الانسان والبلاد، ورفع الروح المعنوية والأخلاقية، وعندما نفى الخوارج وجود الحكومة في المجتمع، يقولون: إن الحكومة مختصة بالله تعالى، ونحن لا نريد الحكومة، وقصدهم الحقيقي هو رفض حكومة الامام علي (عليه السلام) القائمة على رفع الامتيازات القبلية، فقال الإمام علي (عليه السلام): (لابد للناس من أمير)، ولو تنحى الامام استجابة لمطلبهم، لأصبحوا طلاباً للحكومة، بينما الشعار القرآني يعني نفي الأنداد، نفي آية حاكمية مقابل حاكمية الله، وحكومة الإمام علي كانت ذاتية في حكم الله، ولهذا حارب الامام علي (عليه السلام) هذه الحركة المعادية.
 كان منشأ الحكومة في الثقافة الانسانية الراسخة هو القوة والسلطة، وسخرت جميع الفتوحات العسكرية لهذا الغرض، فانقرضت أسر حاكمة وحلت أخرى، وحتى افلاطون صاحب الحكومة الفاضلة لم يقدم إلا حبراً على ورق، وبحثاً مدرسياً لا غير، بينما الامام علي (عليه السلام) قدم عمليا مفهوما آخر للمنشأ الاساسي للحكومة، والذي هو عبارة عن مجموعة من القيم المعنوية.
 الحاكم لابد أن يتمتع بخصائص معينة، وكان يركز على دور الناس في تعيين الحاكم والبيئة مظهرا من مظاهر الانتخابات. وبين الامام علي (عليه السلام) أن الحكومة حق وتكليف، ولهذا يقول (عليه السلام): (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام) أي بمعنى أنني أول الأمر لم أبايع، ولكن عندما رأيت تلك الحوادث كادت تجر على الاسلام المصائب العظمى، فتركت حقي، فهو (عليه السلام) يرى الولاية حقاً، وحين أصبح الأمر تكليفاً، لم يجعلها هدفاً، بل وسيلة لأجل الوصول الى الأهداف المعنوية.

نهج_البلاغة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!