المقدمة
تُعدّ قصة نبي الله يوسف (عليه السلام) من أكثر القصص القرآنية التي أثارت جدلاً كلامياً وفقهياً، وتحديداً في سياق الآية الكريمة المتعلقة بمسألة المراودة، ويهدف هذا البحث إلى إجراء دراسة تحليلية مقارنة معمّقة بشكل إجمالي للنص القرآني (سورة يوسف/الآية: 24) في ضوء التفسير الوارد عن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، خصوصاً في دفع شبهة المساس بـعصمة الأنبياء(عليهم السلام)، ومقارنة ذلك بالسرد الموازي والآليات الأخلاقية التي تناولها العهد القديم (سفر التكوين/الإصحاح 39). إن التباين في تناول هذه الحادثة بين المرجعية الإسلامية (الإمامية) والمسيحية/اليهودية (التوراتية) يكشف عن اختلاف جوهري في مفهوم النبوة وكمالها، ويمكن بيان ذلك عبر الأمور الآتية:
أولاً: النص القرآني ومسألة العصمة
النص القرآني موضع البحث هو قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ). سورة يوسف/الآية: 24.
تُشير الآية إلى فعل مزدوج (همّت به وهمّ بها) مقترن بشرط مانع (لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ)، وهذا الشرط هو أساس الجدل الكلامي، فقد ذهبت المدرسة الإمامية، استناداً إلى أصولها في وجوب عصمة الأنبياء (عليهم السلام) من الذنوب والسهو قبل النبوة وبعدها، إلى تفسير مغاير لـ"الهمّ" المنسوب ليوسف (عليه السلام)، بما يرفع أي شبهة ارتكاب للمحظور (الفحشاء) أو التفكير فيه:
1- دفع شبهة "الهمّ بالمعصية" (التحليل الكلامي)
توضح الروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) السياق الحقيقي لـ"همّ يوسف" ودلالة "البرهان":
أ- عن الإمام الرّضا (علیه السلام) أنه قال: في إجابته على سؤال علي بن محمد بن الجهم حول العصمة: "وَيْحكَ يَا عَلِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَنْسُبْ إِلَی أَنْبِيَاءِ اللَّـهِ الْفَوَاحِشَ وَلَا تَتَأَوَّلْ كِتَابَ اللَّـهِ بِرَأْيِكَ ... وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّوَجَلَّ فِی یُوسُفَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها فَإِنَّهَا هَمَّتْ بِالْمَعْصِيَةِ وَهَمَّ يُوسُفُ بِقَتْلِهَا إِنْ أَجْبَرَتْهُ لِعِظَمِ مَا دَاخَلَهُ".(1).
يُفسّر الإمام( عليه السلام) هنا همّ يوسف بـالهمّ بالقتل (دفاعاً عن النفس والدين وحرمة بيوت السادة)، وليس بالمعصية، وهو فعل مشروع أو واجب عند إكراهه على الفاحشة.
ب- عن الرّضا (علیه السلام): في رواية أخرى ذات سياق مشابه، قال (عليه السلام): "لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَلَوْ لَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا كَمَا هَمَّتْ لَكِنَّهُ كَانَ مَعْصُوماً وَالْمَعْصُومُ لَا يَهُمُّ بِذَنْبٍ وَلَا يَأْتِيهِ وَلَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ هَمَّتْ بِأَنْ تَفْعَلَ وَهَمَّ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلَّـهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام)".(2).
هذا النص يثبت العصمة نفياً وفعلاً، حيث يفسر همّه بـالامتناع عن الفعل (همّ بأن لا يفعل)، وهي دلالة لغوية مقبولة لكلمة "همّ" بمعنى العزم على دفع الشيء.
ت- عن أمیر المؤمنین (علیه السلام): في سياق الرد على شبهة الزنادقة بالهفوات: "وَأَمَّا هَفَوَاتُ الْأَنْبِيَاءِ (عليه السلام) وَمَا بَيَّنَهُ اللَّـهُ فِی كِتَابِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى حِكْمَةِ اللَّـهِ عَزَّوَجَلَّ الْبَاهِرَةِ وَقُدْرَتِهِ الْقَاهِرَةِ... لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ بَرَاهِينَ الْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) تَكْبُرُ فِی صُدُورِ أُمَمِهِمْ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَّخِذُ بَعْضَهُمْ إِلَهاً كَالَّذِی كَانَ مِنَ النَّصَارَى فِی ابْنِ مَرْيَمَ (سلام الله عليها) فَذِكْرُهَا دَلَالَةٌ عَلَى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْكَمَالِ الَّذِی تَفَرَّدَ بِهِ عَزَّوَجَلَّ".(3).
هذا النص يؤسس قاعدة كلامية عامة مفادها أن ذكر ما يوهم النقص (هفوات) هو لحكمة إلهية تمنع تأليه الأنبياء، دون أن يعني ذلك ارتكاب الفواحش.
2- ماهية "برهان الرب" (التحليل الروائي)
تتفق الروايات الإمامية على أن "برهان ربه" كان إما دليلاً حسياً قاده إلى الدليل العقلي الإيماني، أو أنه النبوة نفسها:
أ- عن الإمام السّجّاد (علیه السلام): يربط البرهان بمقارنة بين الخوف من الصنم والخوف من الله تعالى: "قَامَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ إِلَی الصَّنَمِ فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ ثَوْباً فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ (عليه السلام) مَا هَذَا فَقَالَتْ أَسْتَحِی مِنَ الصَّنَمِ أَنْ يَرَانَا فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ (عليه السلام) أَتَسْتَحْيِينَ مَنْ لَايَسْمَعُ وَلَايُبْصِرُ وَلَا يَفْقَهُ وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا أَسْتَحِي أَنَا مِمَّنْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَ عَلَّمَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّوَجَلَّ لَوْ لا أَنْ رَأی بُرْهانَ رَبِّهِ".(4).
ب- عن الإمام أبي جعفر الباقر (علیه السلام): يؤكد القصة ذاتها: "قَالَ لَمَّا هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِهَا قَامَتْ إِلَى صَنَمٍ مَعَهَا فِی الْبَيْتِ فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ ثَوْباً فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ (عليه السلام) مَا صَنَعْتِ قَالَتْ طَرَحْتُ عَلَيْهِ ثَوْباً أَسْتَحِی أَنْ يَرَانَا قَالَ فَقَالَ يُوسُفُ (عليه السلام) فَأَنْتِ تَسْتَحِينَ مِنْ صَنَمِكِ وَهُوَ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا أَسْتَحِي أَنَا مِنْ رَبِّي". (5).
ت- عن أبي عبد الله الصّادق (علیه السلام): يُثبت الحدث ذاته: "لَمَّا هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا قَالَتْ كَمَا أَنْتَ قَالَ وَلِمَ قَالَتْ حَتَّی أُغَطِّيَ وَجْهَ الصَّنَمِ لَا يَرَانَا فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ فَفَرَّ مِنْهَا". (6).
ث- وعن الصّادق (علیه السلام) أيضاً: يحدد البرهان بـالجوهر النبوي: "إِنَّهُ النُّبُوَّةُ الْمَانِعَةُ مِنِ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ وَالْحِكْمَةُ الصَّارِفَةُ عَنِ الْقَبَایِحِ".(7).
3- مقصد "السوء والفحشاء" (التعريف)
أ- عن الصّادق (علیه السلام): يفسر الفحشاء: "قَالَ عَزَّوَجَلَّ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ يَعْنِي أَنْ يَدْخُلَ فِی الزِّنَا".(8).
ب- عن أبي جعفر الباقر (علیه السلام): يحدد السوء: "فَالسُّوءُ هُنَا الزِّنَا". (9).
ت- عن أبي الحسن الرّضا (علیه السلام): يجمع بين التفسيرين: "فَصَرَفَ اللَّـهُ عَنْهُ قَتْلَهَا وَالْفَاحِشَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ يَعْنِی الْقَتْلَ وَالْفَحْشاءَ يَعْنِی الزِّنَا".(10).
يتبين أن السوء قد يعني القتل (همّ يوسف) والفحشاء تعني الزنا (همّت زليخا)، وكلاهما صُرف عن يوسف بتدبير إلهي.
ثانياً: السرد التوراتي ومقارنته بالتفسير الإمامي
يتناول العهد القديم حادثة المراودة في سفر التكوين/الإصحاح 39، مقدماً سردًا يختلف في تفاصيله النهائية عن التأويل الإمامي:
جاء في التوراة في سفر التكوين الإصحاح 39: "وكان يوسف حَسَنَ الصورة وحَسَنَ المنظر. وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينيها إلى يوسف وقالت: "اضطجع معي"، فأبى وقال لامرأة سيده: "هو ذا سيدي لا يعرف معي ما في البيت، وكُلُّ ما له قد دفعه إلى يدي، ليس هو في هذا البيت أعظم مني، ولم يُمسك عني شيئًا غيرك لأنك امرأته، فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأُخطئ إلى الله؟" وكان إذا كلَّمت يوسف يومًا فيومًا أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها... فأمْسَكَتْهُ بثوبه قائلةً: "اضطجع معي"، فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج...".(11).
1- نقاط التلاقي (الاعتصام الأخلاقي)
أ- يتفق السردان على أن العامل الأساسي الذي منع يوسف من الاستجابة هو الوازع الإلهي والأخلاقي. ففي السرد التوراتي، يقول يوسف: "فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأُخطئ إلى الله؟". وهذا يتوافق روحياً مع "برهان ربه" في النص القرآني، الذي هو تذكير بحق الله وعظمته (روايات الصنم).
ب- يتفق السردان على الآلية المادية للنجاة وهي الهروب وترك الثوب (الذي استخدمته زليخا لاحقاً كدليل إدانة مزور).
2- نقاط الافتراق (مفهوم النبوة)
أ- يتميز السرد التوراتي بأنه صريح في نفي أي همّ داخلي بالمعصية عن يوسف، فهو يصف إباءه واعتصامه بشكل مستمر: "فأبى" و"لم يسمع لها". هذا الإباء الواضح يتفق مع النتيجة النهائية التي توصل إليها التفسير الإمامي (نفي الهمّ بالذنب) على الرغم من اختلاف التفسير اللغوي لعبارة (وَهَمَّ بِها).
ب- تبرز هنا أهمية التفسير الإمامي للنص القرآني؛ فبينما كان السرد التوراتي واضحاً في نفي الهمّ، جاءت عبارة (وَهَمَّ بِها) في القرآن لتثير الإشكال، مما استدعى تدخل الأئمة (عليهم السلام) لتوضيح الدلالة اللغوية للـ"همّ" ليوسف، بحيث يُحمل على همّ مشروع (القتل أو الامتناع)، دفعاً للتصور الخاطئ الذي يمسّ كمال النبوة، وهذا يدل على حاجة القرآن الكريم إلى أهل البيت عليهم السلام من جهة البيان والتفسير والشرح، وحاجتهم عليهم السلام للقرآن الكريم من جهة المصدر والمستند، ومن هنا صح القول ان اهل البيت عليهم السلام هم عدل القرآن الكريم فكلاهما يحتاج الآخر، وأنهما لن يفترقان حتى يردا الحوض في محضر النبي الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم).
الخاتمة:
تُظهر هذه الدراسة التحليلية المقارنة الموجزة أن التفسير الإمامي لم يكن مجرد تأويل، بل كان حماية لأصل كلامي (العصمة) لا يمكن التنازل عنه في مفهوم النبوة، وإن الروايات الأربعة التي أوردت قصة الصنم وضعت "برهان الرب" في سياق يقيني: فإذا استحيت زليخا من صنم لا يسمع ولا يرى، فكيف لا يستحي يوسف من الرب الخالق؟ هذا التذكير البسيط هو الـآلية الردعية التي صرفت عنه السوء والفحشاء، وإن الانتصار على المراودة، كما أكد الإمام الصادق (عليه السلام) في وصفه للنبوة: "إِنَّهُ النُّبُوَّةُ الْمَانِعَةُ مِنِ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ وَالْحِكْمَةُ الصَّارِفَةُ عَنِ الْقَبَایِحِ"، ويؤكد أن النجاة كانت بسبب العصمة الباطنية التي مُنحها يوسف (عليه السلام) بصفته نبياً، والتي تجعل الهمّ بالذنب مستحيلاً في حقّه.
المصادر والمراجع
القران الكريم
1- تفسير اهل البيت عليهم السلام ج7، ص44 – بحار الأنوار، ج11، ص72/ الأمالی للصدوق، ص90/ عیون أخبار الرضا (ج1، ص191/ قصص الأنبیاء للجزایری، ص11/ البرهان، فیه: "فقال مولانا الرضا (ویحک ... برأیک ..." محذوف/ نور الثقلین.
2- تفسير اهل البيت عليهم السلام ج7، ص44 – بحار الأنوار، ج11، ص82/ الاحتجاج، ج2، ص429/ عیون أخبار الرضا (ج1، ص200/ نور الثقلین.
3- تفسير أهل البيت عليهم السلام ج7، ص46 - نور الثقلين.
4- تفسير أهل البيت عليهم السلام ج7، ص46 - بحار الأنوار، ج67، ص2.
5- تفسير اهل البيت عليهم السلام ج7، ص46 – بحار الأنوار، ج12، ص300/ البرهان، فیه: "اعطی" بدل اغطّی"/ نور الثقلین.
6- تفسير اهل البيت عليهم السلام ج7، ص46 – بحار الأنوار، ج12، ص266/ عیون أخبار الرضا (ج2، ص45/ نور الثقلین/ البرهان.
7- تفسير اهل البيت عليهم السلام ج7، ص46 – بحار الأنوار، ج12، ص301/ العیاشی، ج2، ص174/ نور الثقلین/ البرهان.
8- تفسير اهل البيت عليهم السلام ج7، ص48 – نور الثقلین.
9- تفسير اهل البيت عليهم السلام ج7، ص48 – بحار الأنوار، ج59، ص111/ وسائل الشیعة، ج17، ص112/ نور الثقلین/ البرهان.
10- تفسير اهل البيت عليهم السلام ج7، ص48 – بحار الأنوار، ج11، ص72/ عيون اخبار الرضا، ج1، ص191، البرهان/نور الثقلين.
11- العهد القديم سفر التكوين الإصحاح 39.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!