كان لدينا في كربلاء شيخٌ من شيوخ النعي، متواضعُ العلم، نمطيُّ الطرح، فهو ناعٍ أكثر مما هو خطيب، رحمه الله. أردنا يوماً، ونحن في مقتبل الشباب، ملاطفته، بل ومماحكته؛ لنعرف حدود علميته، وكأننا نريده أن يدخل معنا في نقاشات ومحاورات تكشف لنا حيثيات الواقعة وعمقها الفلسفي. فأجابنا بشيءٍ من الحنكة:
ـ لا يمكن للمنبر الحسيني أن يعطيكم أكثر مما وهبكم الحسين عليه السلام، فقد أعطاكم المفتاح الفكري لفهم الواقعة. قال عليه السلام ليفهمكم طبيعة الموقف الذي استحكم فيه:
«ألا وإن الدعيَّ ابن الدعيِّ قد ركز بين اثنتين: بين السِّلّة والذلّة، وهيهات منا الذلّة».
هذا هو المفتاح، فادخلوا إليه.
كلُّ ذنبه وجريمته أنه رفض بيعة يزيد، أليست البيعة تتبع حريةً فكرية؟ كان الإمام علي عليه السلام يقول للخوارج: ليس المهم مبايعتي، المهم أن تكفّوا الأذى عن المسلمين. لقد رفض الحسين عليه السلام البيعة القسرية تحت طائلة التهديد، ورفض الخضوع لحكومة يزيد بن معاوية؛ لأنها تمثل انحرافاً عن مسار الأمة.
قبل عشر سنوات أو أكثر، أصدرت لجنة البحوث والدراسات التابعة للعتبة العباسية المقدسة كتاب: (طريق الخلود ـ من وحي الطفوف)، إعداد الشيخ حارث خالد حسين، وقد استلهم بأسلوبٍ كلاسيكي رصين التحرك في طريق الخلود عبر بؤر معرفية راسخة.
إن كربلاء الحسين هي العلامة الأوضح تجلياً في تاريخ الجهاد، ونهضة الحسين عليه السلام ليست حادثةً تاريخية تختص بزمنها وأشخاصها، إنما هي نهضةٌ لعامة الناس جميعاً، حفظت الدين، ودافعت عن مقدسات المسلمين وكرامة الإنسانية، وترسخت في ضمائر المجاهدين.
تصل الكتابة إلى حالةٍ من القراءة الواعية في بيان المرجعية الدينية العليا وفتوى الدفاع المقدسة للدفاع عن العراق، ضمن نهجٍ تعريفي يرى أن جميع القوانين السماوية والبشرية تبيح للفرد أو الجماعة الدفاع عن النفس والعرض والوطن، وقدّم الجذر التاريخي وجوهر الفعل الدفاعي في تاريخنا الإسلامي.
ومن أمثلة الجهاد الدفاعي الكثيرة: معركة الأحزاب، ومعركة أُحد، ومعركة مؤتة، ونظائرها من الحروب الإسلامية ذات الطابع الدفاعي. إن الحياة معرضة للحروب، وكثيرٌ ممن يعتدون على المسلمين يشعلون نيران الفتن والحروب للسيطرة الغاشمة على مقدرات المؤمنين. وقد تحرك المؤلف في ومضاتٍ استشهادية داخل المنجز لكشف جوهر الجهاد.
فجاء بالاستشهادات القرآنية، منها قوله تعالى:
﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ {المائدة: 35}.
واستشهد بقول الرسول صلى الله عليه وآله:
«من قُتل دون مظلمة فهو شهيد»،
وقال أيضاً:
«من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه».
كما استشهد بأقوال أمير المؤمنين عليه السلام:
«إن الجهاد بابٌ من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة».
واستشهد بأقوال الأئمة عليهم السلام، ففي حوار الإمام زين العابدين عليه السلام مع ابن زياد قال:
«أبالقتل تهددني يا ابن زياد؟ أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة».
وقال الإمام الصادق عليه السلام في زيارة العباس عليه السلام:
«أشهد الله أنك مضيت على ما مضى عليه البدريون والمجاهدون في سبيل الله».
وقد أحاط المنجز بوضوح الجهاد من جميع جوانبه، ليختصر معنى الانتماء النصي إلى مضمون هذا العمل.
وصف الله تعالى أهل الإيثار بالمفلحين، ووصفهم الإمام علي عليه السلام بأنهم أهل «الإيثار على المكارم»، فهو أحسن الإحسان وأعلى مراتب الإيمان. ويقول الإمام السجاد عليه السلام في حق العباس عليه السلام:
«رحم الله عمي العباس، فلقد آثر وأبلى».
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام:
«زكاة الشجاعة الجهاد في سبيل الله».
وأصل الشجاعة قوة القلب والصبر، فمن لا صبر له لا يكون شجاعاً.
كما ذمَّ العصبية التي تُسمّى بالقومية أو الطائفية أو القبلية، وهي التعصب لمجرد الانتماء، فقال الإمام الصادق عليه السلام:
«من تعصب أو تُعُصِّب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه».
وتناول النص البحثي مقتطفاتٍ مما ورد بشأن الأوضاع الراهنة في العراق، إذ قالت المرجعية:
إن الدعوة إلى التطوع والانخراط في القوات الأمنية للدفاع عن العراق موجهة إلى جميع المواطنين، وليست مختصة بطائفة دون أخرى.
كما وجهت المرجعية المباركة الشكر إلى مئات الآلاف من المتطوعين، وطالبت بوحدة الصف والهدف والتطوع.
وكأن الشيخ رحيم يقول لي:
هل عرفت الآن كيف قرأت المرجعية الدينية المباركة الحسين عليه السلام؟


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!