تختزنَ الأمثالُ الشعبيةُ كثيرا منْ الحكمة، ومنْ الأمثالِ العراقيةِ المعبرةِ قولهمْ " تدوسُ على الجنيِ وتقولُ صملةً ”، ويقالَ لمنْ يقوم بفعلٍ خطيرٍ أوْ مستفزٍ ثمَ يتظاهرُ بأنَ الأمرَ بسيطٌ ولا يستحقُ الانتباهُ، ويمكنُ إسقاطُ هذا المعنى مجازيا على بعضِ ممارساتِ العلاقاتِ الدولية، حينُ تقدمَ دولةً على التدخلِ في شؤونِ دولةٍ أخرى سياسيا أوْ اقتصاديا أوْ إعلاميا، ثم عسكرياً، وتصفُ ذلكَ بأنهُ موقفٌ طبيعيٌ أوْ مبدئي، وهذا ما يحصلُ منْ قيامِ الولاياتِ المتحدةِ ومعها الكيانُ الصهيونيُ بالهجومِ العسكريِ على إيران، والذي قابلهُ ردُ فعلٍ قويٍ منْ الأخير، أدخلَ دولِ المنطقةِ كلها في النزاع، وتحولتْ إلى مقدمةٍ لحربٍ عالميةٍ ثالثة، وبتقنياتٍ حديثةٍ منْ الطيرانِ العسكريِ والصواريخِ بعيدةٍ المدى والمسيراتِ بمختلفِ أنواعها.
وفي هذا السياق، يثار الجدلُ حولَ اللجوءِ إلى الخيارِ العسكريِ المرفوضِ دوليا وشعبيا، بدلُ الحلولِ السلميةِ التي، نص عليها ميثاقُ الأممِ المتحدة، ولا سيما الفصلُ السادسُ منه، والمادةُ (33 ) ، التي تدعو أطرافَ النزاعاتِ إلى تسويتها بوسائلَ سلميةٍ مثلا: المفاوضاتُ والوساطةُ والتحكيم. ورغمُ عقدِ جولاتِ تفاوضٍ متعددة بينَ الولاياتِ المتحدةِ وإيران في مدنِ مثلا، جنيف ومسقط، "إنَّ التصعيدَ العسكريَّ قد أدّى إلى دمارٍ واسعٍ في المرافقِ المدنية، وأسفرَ عن سقوطِ المزيد من الضحايا بين المدنيين، فيما يتزايدُ تأثيرهُ التدميريُّ على المنطقةِ يوماً بعدَ يوم."
يعدّ مبدأُ عدمِ التدخلِ في الشؤونِ الداخليةِ للدولِ وفقا لمفاهيمِ القانونِ الدولي، أساسا في العلاقاتِ بينَ الدولِ ذاتِ السيادة، إذْ يقومُ على احترامِ استقلالها وحقها في إدارةِ شؤونها دونَ ضغوطِ خارجية. لكنْ الواقعُ السياسيُ ، يشهدُ أحيانا تجاوزَ هذا المبدأِ معَ تقديمهِ في الخطابِ السياسيِ أوْ الإعلاميِ كأمرٍ عادي. ويشبهَ ذلكَ المثلِ الشعبيِ الذي يصورُ التدخلُ كأنه“الضغطُ على الجنيِ ”بما قدْ يثيرهُ منْ توترات، بينما يقللُ منْ شأنهِ بالقولِ إنه“ صملة".
وتكمنَ الحكمةُ في أنَ الأفعالَ السياسية، مهما لطفَ خطابها، تظلّ ذاتَ آثارٍ حقيقيةٍ على الاستقرارِ والعلاقاتِ الدولية. ربما يذكرنا المثلُ العراقيُ ُ بحقيقةٍ بسيطةٍ لكنها بليغة: بعضُ الأفعال، مهما جرى التقليلُ منْ شأنها في الخطابِ السياسي، تبقى ذاتَ أثرٍ حقيقي، فالمشكلةُ لا تكمنُ في الفعلِ وحده، بلْ في طريقةِ تقديمهِ أيضا؛ إذْ إنَ التهوينَ منْ التدخلاتِ، قدْ يخلقُ فجوةً منْ عدمِ الثقةِ بينَ الدول، ويقودَ أحيانا إلى توتراتٍ دبلوماسيةٍ أوْ صراعاتٍ عسكرية أوسع. فالدول، مثلَ الأفراد، حساسةً تجاهَ ما يمسُ استقلالها وكرامتها السياسية. ولا يعني احترامَ مبدأِ عدمِ التدخلِ الانعزال، بلْ يوفرُ أساسا صحيا للتعاونِ القائمِ على الاحترامِ المتبادلِ والمصالحِ المشتركة. فاستقرارُ العلاقاتِ الدوليةِ يعتمدُ على توازنِ بينَ التواصلِ والتأثيرِ منْ جهة، واحترامَ السيادةِ منْ جهةٍ أخرى.
وفي عالمٍ تتشابكُ فيهِ المصالح، تذكرنا الأمثال الشعبيةُ، بأنَ التقليلَ منْ خطورةِ الأفعالِ، لا يغيرُ منْ حقيقتها؛ فاحترامَ حدودِ الآخرينَ هوَ الطريقُ الأقصرَ لتجنبِ الأزمات، وتبدو هذهِ الفكرةِ واضحةً في النزاع العسكري الجاري بالمنطقة، حيثُ قدْ تقدمَ بعضُ الخطواتِ العسكريةِ كإجراءاتٍ محدودة، كما يرغب الطرف الأمريكي لها، لكنها قدْ تحملُ تداعياتٍ أوسعَ يصعبُ احتواؤها لاحقا.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!