كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مَكَّة المُكرَّمة في مُشَاهَداتِ مُعتَمِر

بعدَ كتابهِ الأَول عَاد ليُتحِفَ قرَّاءَهُ بتدويناته الرائعة، ومشاهداته الماتعة ذي السمة التوثيقية العلميِّة – المعرفية، فَيُتِمَّ مشاهداتِه بقسميها (المدينة المنوَّرة) و(مكَّة المكرَّمة) من مؤلفه المبارك (مشاهدات مُعتمر)الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل سنة 2026م. حيث وَثَّقَ سماحة الشَّيخ الفاضل عبد الأَمير النَّجار بدقَّة، وفَصَّلَ بإسهابٍ جميلٍ مشاهداته بعدَّة زيارات بين حجٍّ مفترضٍ وعمراتٍ مباركة خلال أَكثر من عقد من الزمان ، فجاء كتابه بجزئيه سجلًّا حافلًا للمدينتين المقدستين بجميع مفاصلهما الدينية العبادية، والترفيهية السياحية، والتاريخية الأثرية. 
وكان شاهدَ صدقٍ في نقل ما عَنَّ له من أَحداثٍ ومشاكساتٍ، فَضلًا عن ممارساتٍ ومضايقاتٍ في أَماكن مختلفة. غَير أَنَّه لم يأبه بالتصرفات الصادرة عن بعض الجهلة لأَداء مهمة أَحسَبها (مغامرة) في زمن صعب لما في هذه الأَماكنِ من منغِّصات جاهلية ترتكبُ باسم الشرع والدين، وهي بعيدة كلّ البُعد عن النهج الاسلامي القويم ، منها ما هو عام مثل عمليات هدم وإزالة الآثار والمراقد والأماكن التاريخية، ومنها مكان ولادة النَّبي محمَّد (صلوات الله عليه وآله وسلّم) الذي يتنافى مع ميول الطبيعة البشرية للمسلم لمعرفة تاريخ دينه ونبيه والمواقع والمشاهد والأماكن المأثورة وإزالتها، ممَّا يخدش ذاكرة الأجيال بممارسات دعويَّة باطلة.
بين يدي الجزء الثاني المتعلق بمكَّة المكرَّمة وقد احتجن الكتاب تسعة فصولٍ مع ملحقٍ ومصادر ومراجع، بواقع (783 ) صفحة من القطع الوزيري، تضمَّنت الفصولُ عنواناتٍ كثيرةً لا يمكنُ التوسّع في التعريف بها في هذا المقال لما تكتنزه من فرادة في البحث والجمع والتقصي. والجهد المبذول في هذا الكتاب يعدُّ فريدًا في بابه ، ولم يسبق بكتاب شبيه في جمعه وتتبعه لكل مفردات تخصُّ الحرمين الشريفين حتى ما دُرِسَ من آثار إسلامية مختصة بالنَّبي وأَهله، أَو من ظواهر كانت مشاعة في هذين البلدين الطيبين، ومنها ظاهرة (الأَغوات) التي نثمِّنُ جهدَ الباحث في تقصي جذورها وكشف عالمها الغامض المليء بالأَسرار حتى انحسارها اليوم بل قاب قوسين أَو أَدنى من انقراضها .
(الأَغوات)
 وظاهرة (الأَغوات) خاصة بالحرمين الشَّريفين فقط ، ولا مثيل لها في مساجد العالم الإسلامي الأخرى. وهي " مهنة شريفة مباركة، وتعني شرف خدمة الحرمين الشريفين وزوارهما " ، والأَغواتُ جميعهم من الأَحباش ويتكلمون اللغة الحبشية، ويتمتعون بحصانة خاصة، ولهم نظام خاص.
 لقد توغل الشَّيخ النَّجار في دقائق وعوالم أولئك الخَدَم ، والتقى بمَن بقي منهم على قيد الحياة ، وهم لا يتجاوزون عدد أَصابع اليدين، فكان بحثه في هذا الباب رائدًا نافعًا في مفرداته التي بدأها بالمعنى اللغوي لكلمة (آغا) مرورًا بحياتهم ونظرة المجتمع إليهم وعناوين أخرى.
 وفي الكتاب فصول أخرى تضمَّنت النفيس النادر المتعلق بالحرمين،
ولا أريد الخوض في كل تفاصيل محتوياته لكثرتها وتنوعها وتفرعاتها، فقد عمد الباحث الى ذكر التفاصيل الدقيقة لدخول مكَّة المكرَّمة عند خروجه من المدينة المنوَّرة وتوديعها ، وشرح مناسك الحجِّ والعمرة والتوجه الى الميقات لعقد الإحرام ثمَّ التوجّه الى مكَّة المكرَّمة لأداء باقي المناسك ، مُعرِّفًا بكلِّ محطة من محطات المناسك والمقامات والمواقع وصولًا الى الكعبة المشرَّفة والحَجر الأَسود وكسوة الكعبة وغيرها من المساجد والعمارات والمواقع، والباحث في كل ما تقدم يقف مطولًا في بحث تاريخي وميداني منقبًا وفاحصًا ، وحتى الساعة المقابلة للحرم (ساعة مكَّة) وهي من المعالم الحضارية الحديثة ، وتعدُّ تحفة معمارية فريدة ، وهي أَكبرُ ساعة في العالم، وبرجها ثاني أَعلى برج في العالم بعد برج خليفة في دبي ، فقد أَفرد لها فصلًا ماتعًا لم يغادر صغيرة ولا كبيرة، متعلقًا بالساعة وبرجها إلَّا وله ذكرٌ وافٍ.
(المتاحف)
ومن فصول الكتاب الجميلة في مادتها ، (المتاحف) بقسميها الخاص والعام، وهو بحث رائق، سلَّط الضوء على عالم المتاحف وخفاياها وتخصصاتها، ويبلغ عددها في مكَّة المكرَّمة ستةَ عشرَ متحفًا ، وهو عدد كبير نظرًا لما لمكَّة من مكانة (مقدسة)، وما ينظر إلى الفن والثقافة والعمران والآثار فيها من نظرة قاصرة ، وفي أَغلبه غير متاح أَمامَ الحجاج والمعتمرين الوافدين لأداء المناسك لأسباب منها جهل متعهدي الحملات في ارتيادها، والتعرّف على محتوياتها، كونها معالم سياحية وترفيهية مهمة أَو لعدم رغبة الحجاج والمعتمرين في زيارة تلك المتاحف، بغية الاستفادة من الوقت الضيق المحدد للمكوث في مكَّة وإتمام الشعائر ولصعوبة ضمان المجيء الى مكَّة مرة ثانية.
 وقد فَصَّل الباحث بزيارات ميدانية لهذه المتاحف، موثِّقًا بالصور الفوتوغرافية، ومُعرِّفا بكلِّ متحفٍ وما يتضمَّنه من أَقسام وقاعات ومقتنيات تاريخية وأَثريَّة وتراثيَّة نادرة وثمينة. فهي فضاءات ثقافية تبرز جانبًا من تاريخ مكَّة المكرَّمة الحضاري من عصر ما قبل الإسلام. الإسلام مرورًا بالدولة العثمانية وصولا إلى العصر الحاضر، وما شهده من تطور تقني وتكنولوجي أَسهم في خلق رؤى متقدمة، وأَفكار جديدة متطورة في صناعة السياحة. لتكون تلك المتاحف أَبوابًا لمعرفة تاريخ بلد وشعب اتسم بالبداوة وما يتعلق بها.
(المساجد)
ولم يَألُ الشيخُ النَّجار جهدًا في بسط خططه الرائعة في هذا الكتاب النفيس، وهو يطوف بنا في مساجد مكَّة ومكتباتها. ويفرد لكل عنوان جملة من التفرعات التي تحتاج إلى إقامة أَشهرٍ للتعرف على تلك الأَماكن والكتابة عنها، بل ذهب إلى أَكثر من ذلك. حين قرر البحث عن تاريخية المساجد وعمارتها وأَشكالها المعمارية ومساحاتها وطريقة بنائها بل الولوج إلى (مؤسسة المساجد) الرسمية ومعرفة القوانين والتعليمات الخاصة بشؤون المساجد وعمارة بيوت الله والقيام عليها ورعايتها، والجميل في ذلك أَنَّ المساجد الموجودة في مكَّة المكرَّمة غير متشابهة في تصاميمها ومتفاوتة في بنائها " فلا تجد مسجدًا يشبه آخر، لا في القبة ولا في المنارة، ولا في المساحة. وتصنَّفُ في المملكة بأَنواع هي المساجد الجامعة والمساجد المحلية ومساجد العيد تبعًا للموقع ومسافة المشي إليها وحجمها وعدد روادها"، والغريب أَنْ ليس للأَفراد حقُّ التدخل في التصميم والتصنيف".
(المولد النَّوي الشريف)
 واللافت للنظر في كتاب (مشاهدات معتمر) ما دونه المؤلف النَّجار في الفصل الثالث بعنوان (المولد النَّبوي الشَّريف).
 فالمعروف تاريخيًّا أَنَّ لفظ (المولد النَّبوي)عند أَهل مكَّة يعني مكان  مسقط رأسه الشريف الذي يعرف اليوم بـ(مكتبة مكَّة المكرَّمة) من الجهة الشرقية للمسجد الحرام بمسافة 455 م تقريبا، وهو بناء بسيط جدًا لم تطله يدُ التجديد منذ 75 سنة.
 ورواية هذا المعلم المبارك مشهورة عند الفقهاء والمؤرخين، لكن العقول الفاسدة أَبت لهذا المعلم إلَّا أَن يفرغ من فحواه الروحاني بقرار فردي من أَحد المشايخ السلفيين، معترضًا أَن يكون هذا المكان مكان ولادة نبي الرَّحمة (ص) بحجج واهية منها أَنَّه لم يُثبت بنصٍّ من القرآن والسُّنة، وأَنَّ الرَّسول وآله لم يحافظوا عليه ولم يعتنوا به، وأَنَّ الاحتفاظ به يغري الجُهَّالَ والمنحرفينَ بالتَّبرَكِ فيه وزيارته!!!.
 لكنَّ الشَّيخ النَّجار كعادته في الطرح انبَرَى باحثًا عن الحقيقة، ومفنِّدًا لآراءِ شيوخ الوهابية المتصدين لـ(رئاسة هيئة الأَمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر) ببحث قيِّمٍ، مُتتبعًا روايات وأَقوال الفقهاء والمؤرخين والرَّحالة في دار مولد رسول الأمة محمَّد (صلوات الله عليه وآله سلم) ابتداء من العلَّامة الأَزرقي (المتوفى سنة 250 هـ)، فضلًا عن ذكر ماجاء من وصف دقيق للدار في رواياتهم وكتبهم. إذ استشهد بأَكثر من 70 شاهدًا صحيحًا متواترًا يؤرِّخُ للمكان وعمارته بوصف دقيق مع ذكر الأَحداث والمناسبات التي حدثت خلال القرون المنصرمة ، منها أَنَّه قد جرت العادة عند أَهل مكة الاحتفال في (ذكرى المولد الشريف) ليلة الثاني عشر من ربيع الأَول من كل عام ، ويظهرون السرور والفرح والابتهاج، ويلبسون أَفخر ثيابهم ويتطيبون وينشدون الشعر، ويخرجون لزيارة الدار بعد صلاة المغرب ، يتقدمهم قضاة مكَّة وأَكثر أَعيانها من الفقهاء والفضلاء يحملون فوانيس كثيرة وشموع عظيمة وزحام عظيم. ويأتي الناس من البدو والحضر وأَهل جدّة لإحياء الليلة، ففيها يجابُ الدعاء على رأي علمائهم السابقين. 
وكان ذلك إبان الاحتلال العثماني لنجد والحجاز. وحين آلَ الأَمرُ إلى آلِ سعود بعد مجيئهم إلى السلطة قاموا بهدم المسجد سنة 1343 للهجرة  ظلَّ (دار المولد) أَرضًا مسوَّرةً لمدَّة من الزمن حتى سنة 1951م  تم إنشاء (مكتبة مكَّة المكرَّمة) على نفقة أَحد المحسنين وشقيقته بعد موافقة الملك عبد العزيز على الطلب، ومازالت على حالها دون الاهتمام بها حتى اليوم.
(دعوة للقراءة)
أوجِّهُ دعوة خالصة لقراءة كتاب (مشاهدات مُعتمر) بحزئيه (المدينة المنوَّرة ) و(مكَّة المكرَّمة) لما فيه من الفوائد الجليلة، والمعلومات النادرة المفيدة، والمتعة الرّوحية والنَّفسية. لذا تركنا أَغلب فصول الكتاب والحديث عنها آملين العودة إليه مرة أُخرى في كشف دقائقه، و الافادة من معلوماته، والسياحة في متعة سردياته إن شاء الله.

مكة_معتمر.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!