كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

(مذكرات أقدم مدرس تاريخ في كربلاء الأستاذ عبد الرزاق الحكيم) : (قنطرة أم حديبة)

 أنا أبحث عن النادر من الأسئلة، النادر من الأسماء، الغريب الذي لم نتداوله إلى الآن، أبحث عن الأماكن التي لم أسمع بها من قبل، وأنقل إليه كل ما يدهشني، والأستاذ عبد الرزاق الحكيم يعرف أن تلك الأسئلة ليست من أجل الاختبار أو الإحراج، بل هي من أجل المعرفة، والظفر بسؤال غريب يفرحني ويفرحه. لم يكن في ذلك الوقت وجود للإنترنت لنبحث عن المعلومة، وإنما الاعتماد الكلي على الذهن، وذهن الأستاذ عبد الرزاق الحكيم له إمكانية حفظ التاريخ والتراث الكربلائي، هو ابن كل طرف من أطرافها، يعرفها ويعرف أسماء العكود والبيوت ويسميها بأسمائها.
كان الحديث يدور عن محلة (باب بغداد):
:ـ لماذا باب بغداد؟
:ـ لأنها تقع باتجاه بغداد
:ـ طيب أستاذ، لماذا سميت باب العلوة؟
هناك أكثر من قول، يقال كونها كانت في بداية تكوينها منطقة مرتفعة سميت بالعلوة، لكن الذي نعرفه أن هذه المنطقة كانت علوة كبيرة لبيع المخضر.
يحدثني عن محلة باب بغداد بحديث العاشق، كونها تعد من أجمل محلات كربلاء، تستقبل الوافدين من العاصمة والمحافظات الأخرى، وتلك الأسئلة البسيطة تحفّز فيه الذكريات والصور، فحدثني عن حديقة العروبة:
:_ أين تقع؟
: هي حديقة بغداد القديمة، واسمها الرسمي كان حديقة العروبة، وهناك قناديل باب بغداد، وهي الكازيونات: كازينو حاج جواد فارس، وحميد الصيدلي، ومقهى البلدية، ومقهى رزاق الخفاجي، وحاج محمد. ويبدو أن الحديث جذب ذاكرته إلى أن يتذكر جميع الكازيونات والسكلات الكبيرة والكثيرة التي كانت تبيع الحطب والجذوع لبناء البيوت، فأغلب بيوت كربلاء كانت من الجذوع: سكلة الحاج مهدي وسكلة صباح.
هل جربت أن تعشق يومًا المدينة بكل ما فيها من تاريخ وحاضر يزدهي بالمحبة، وتستذكر كل حين حكايات الناس والشوارع؟ فراح يستذكر الحمامات والمستوصفات، وماكينة إسالة الماء، وبعد ذلك مديرية الأمن التي شيدتها الحكومة في السبعينات من القرن الماضي. في هذه المحلة عمارة التأمين، ومدارس الهاشمية والعدنانية وغيرها من المدارس، وكراج بغداد الذي انتقل في عدة مواقع من هذه المحلة. كل هذه الأشياء الجميلة، لكني لا أشعر أن هناك شيء جديد في الموضوع، والذي أذهلني هو سؤال عابر عن قنطرة (أم حديبة)، ولا أدري في ذلك الوقت من أين سمعتها أو أين قرأتها وكيف عرفتها.
قنطرة تحمل اسمًا غريبًا لم أسمع عنه من قبل، جعل ابتسامته تملأ وجهه وقال:
:ـ هل تعرف أن السفن والبواخر التجارية كانت تدخل إلى كربلاء المدينة؟
أنا لم أسمع المعلومة من قبل، حاولت أن أجعله يعيدها لي: بواخر تجارية محملة بأنواع البضائع المستوردة تدخل كربلاء وتصدر منتوجاتها إلى الخارج، فسألت مستغربًا:
من أين تمر تلك البواخر؟
:__ تمر عبر القنطرة البيضاء، وكانت تدفع للقنطرة رسوم الدخول إلى المدينة، لترسو عند قنطرة (أم حديبة) في باب بغداد... قنطرة صغيرة لها فتحة صغيرة لا تسمح للسفن الدخول إلى كربلاء أكثر، لهذا تعتبر قنطرة (أم حديبة) هي ميناء كربلاء. حركة غير عادية: تجار يستقبلون البضائع، والحمالون وعربات الحمل تنتظر في كل صباح تلك البواخر، حركة تجارية غير عادية عند تلك القنطرة.
وصرت أخمن موقعها في باب بغداد، قرب الجسر الصغير الحالي المقابل لسيطرة الكفيل اليوم. إن ما جعل كربلاء مدينة تجارية بقدر ما هي مدينة زراعية، تنتج وتصدر بضاعتها عبر ميناء أم حديبة... يا الله كم جميلة هي كربلاء.

قنطرة_ام_حديبة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!