كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

درجال وغزل و"التكبير".. أزمات العراق المجتمعية

 جدل انتخابات كرة القدم

جدل كبير أعقب انتخابات الاتحاد العراقي لكرة القدم بعد إعلان نتائجها. فماذا حدث فيها؟
كان المرشحان الرئيسيان هما: عدنان درجال، رئيس الاتحاد السابق وصاحب إنجاز التأهل لكأس العالم 2022، ويونس محمود، قائد المنتخب السابق.
وفاز يونس محمود برئاسة الاتحاد بفارق كبير من أصوات الهيئة العامة.
مباشرة بعد إعلان النتيجة، صدرت تصريحات من معسكر درجال تتحدث عن "تدخلات سياسية" واستخدام نفوذ نواب وشخصيات حزبية للتأثير على أندية الهيئة العامة.
وتركزت نقطة الاتهام على محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان الأسبق، وشقيقه مثنى. فقد ورد اسمهما في أكثر من تصريح إعلامي وتغريدة لنواب ورياضيين مقربين من درجال، على اعتبار أن لمثنى الحلبوسي علاقات قوية مع عدد من رؤساء الأندية في الأنبار ووسط العراق، وأنه دفع مبالغ تصل إلى مئات الملايين من الدنانير دعماً لمحمود.
حتى الآن لم تصدر وثيقة رسمية أو حكم قضائي يثبت التدخل، ولم تفتح الهيئة العامة للاتحاد ولا هيئة النزاهة تحقيقاً علنياً في هذه الاتهامات.
والقانون العراقي وقانون الفيفا يمنعان التدخل السياسي في شؤون الاتحادات. وإذا ثبت التدخل، فالاتحاد مهدد بعقوبات من الفيفا.
المشكلة ليست فيمن فاز ومن خسر. فالإشكالية الأعمق أن الهيئة العامة للأندية، ومعظمها يعتمد على التمويل الحكومي والمحلي، تصبح عرضة للضغط السياسي.
كما أن غياب لجنة انتخابات مستقلة يُضعف الثقة بالحياد، إذ كانت اللجنة المشرفة من داخل الاتحاد نفسه.
وتحول النقاش إلى مقارنة شخصية بين التاريخ الإداري لدرجال والتاريخ الكروي ليونس، بدل أن ينحصر في البرنامج الانتخابي وآليات التنفيذ.
والحل المنطقي يكمن في فتح تحقيق مستقل. فبإمكان لجنة من وزارة الشباب والرياضة أو اللجنة الأولمبية مراجعة شكاوى التأثير السياسي، ورفعها إلى الفيفا إذا ثبتت المخالفة.
ويضاف إلى ذلك تعديل نظام الانتخابات، وفصل تمويل الأندية عن الجهات السياسية، وجعل تصويت الأندية سرياً ومراقباً دولياً.
فالفيصل يجب أن يكون البرنامج، لا المقارنة بين "يونس لا يملك كاريزما" و"درجال عنده إنجاز". الحكم ينبغي أن يكون على خطة تطوير الدوري والبنية التحتية والمنتخبات.
إن اتهامات التدخل السياسي تتكرر في كل انتخابات اتحاد الكرة منذ 2010. والفرق هذه المرة أنها صارت أكثر علنية.
وإذا أردنا "إعادة الحق لصاحبه الشرعي"، فالطريق الوحيد هو تحقيق شفاف وتطبيق لائحة الفيفا ضد التدخل. ومن دون ذلك سنعود إلى نفس الدائرة: كل أربع سنوات يتبدل الرئيس، وتستمر المشاكل نفسها.

النفس الداعشي يعود عبر "التكبير"
"التكبير قبل عيد الأضحى" مسألة فقهية قديمة، وليست ظاهرة جديدة بالكامل.
فما أصل "التكبير قبل العيد"؟
التكبير المقيد والمطلق في أيام ذي الحجة معروف عند مذاهب أهل السنة الأربعة، لكن الخلاف في التوقيت.
فالجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة يرون أن التكبير المقيد يبدأ من فجر يوم عرفة 9 ذي الحجة.
أما بعض فقهاء الشافعية والسلفية المعاصرة فيرون أنه يبدأ من أول ذي الحجة.
وما يجري في العراق هذه الأيام أن مساجد محسوبة على التيار السلفي بدأت تبث التكبير من 1 ذي الحجة عبر مكبرات الصوت. وهذا ما جعل الناس يرونه "ظاهرة جديدة"، لأن العرف السائد في العراق، حتى عند سنة بغداد والأنبار، كان الالتزام برأي الجمهور.
الموضوع فقهي بالأساس، لكنه صار حساساً لأنه يُقرأ كعلامة على حضور تيار معين. فهل الأفكار السلفية "تغزو" مناطق أهل السنة في العراق؟
الواقع معقد. فالتيار السلفي موجود في العراق منذ الثمانينيات، خصوصاً في كركوك وديالى والأنبار والموصل. لم يظهر فجأة.
وما بعد 2014، استغل داعش خطاباً سلفياً متطرفاً، فنشأت لدى المجتمع ردة فعل رافضة لأي مظهر سلفي، حتى لو كان سلمياً.
وبين عامي 2020 و2025 عاد نشاط بعض المراكز والدعاة السلفيين علناً: دروس، وقنوات تيليغرام، وحملات توزيع كتب. والسبب تراجع دور الأوقاف والوقف السني أمام هذا المد، وفتح المجال الإعلامي.
كما أن الدعم الخارجي المريب يزيد الشكوك، إذ تتلقى بعض المراكز دعماً من مؤسسات خليجية غير رسمية.
الصحيح أنه "تمدد إعلامي وتنظيمي"، وليس غزواً مفاجئاً. فمناطق أهل السنة أصلاً متنوعة: صوفية، إخوان، سلفيون، عشائريون. والسلفيون فقط صار صوتهم أعلى إعلامياً.
فهل هذا باب لعودة الطائفية وأفكار داعش؟
السلفية ليست داعش، لكن داعش تبنت نسخة تكفيرية جهادية من السلفية الجهادية، وهي أقلية حتى داخل التيار السلفي نفسه. وغالبية الدعاة السلفيين في العراق اليوم يعلنون البراءة من داعش ويركزون على الدعوة والتعليم.
والخطر الحقي يأتي عندما يُحتكر الخطاب الديني، ويُهمش الآخر المعتدل، ويُطلق خطاب تكفيري. وهذا ما استغله داعش في 2014. وإذا تكرر السيناريو بسبب ضعف الدولة وفشل المصالحة وخطاب الكراهية، فأي تيار متطرف سيجد بيئة حاضنة.
ومؤشرات الخطر تكمن في منع المخالف من الخطابة والتدريس بالقوة، وإطلاق خطاب تكفير للصوفية وللأغلبية الشيعية علناً، وتسليح جماعات تحت عنوان "حماية العقيدة".
وحتى الآن لم تظهر مؤشرات تسليح أو تنظيم مسلح سلفي في العراق، لكن الخطاب الإعلامي صار أكثر حدة، وهذا بحد ذاته يغذي التوتر الطائفي ويهدد السلم المجتمعي.
نعم، للتيار السلفي حضور متزايد في المناطق السنية بعد 2020 بسبب فراغ مؤسسي ودعم خارجي خفي ونشاط إعلامي متزايد. لكن هذا لا يعني تلقائياً عودة داعش، فالفرق كبير بين سلفية دعوية وسلفية جهادية تكفيرية، وإن كانت بذرتها الأولى واحدة.
والخطر ليس في التكبير نفسه، بل في استخدامه أداة استفزاز وتمييز وبدء خطاب الإقصاء، مما يفتح الباب لعودة التوتر الطائفي.
والمعادلة بيد الدولة والمجتمع الآن، فأي فراغ يمكن لتيار متطرف أن يملأه، وهنا مكمن الخطر.

غزل.. أزمة أخلاق
قضية الطفلة غزل هزت الرأي العام لأنها جمعت بين القتل والاعتداء الجنسي والتواطؤ العائلي. ومثل هذه الجرائم تكشف ثلاث طبقات من الأزمة:
أ. على مستوى الأسرة*
تفك الرقابة الأبوية، وزواج القاصرات، والعنف الأسري المكتوم، ونظام "الستر العائلي" الذي يجعل العائلة تداري الجريمة بدل أن تبلغ عنها.
ب. على مستوى القانون*
المادة 406 من قانون العقوبات العراقي تصل إلى الإعدام في القتل العمد، والمادة 393 في الاغتصاب. والمشكلة ليست في غياب النص، بل في التأخر في الإجراءات، وضعف حماية الشهود، والصلح العشائري الذي يغلق الملفات قبل أن تصل إلى المحكمة.
ج. على مستوى المجتمع*
الوصمة التي تجعل العائلة تخاف من الفضيحة أكثر من خوفها على الضحية. وصمت المؤسسات التربوية عن التوعية الجنسية وحماية الطفل.
والسبيل للعلاج يحتاج أربعة محاور متوازية:
أولاً: رادع قانوني فعّال*
بتفعيل محاكم أحداث وجنايات متخصصة بقضايا الأطفال، مع قضاة مدربين، فضلاً عن قانون لحماية الشهود والمبلغين عن الجرائم الأسرية. فكثيرون يخافون التبليغ لأنهم يعرفون أن المجرم ربما جارهم أو قريبهم.
ثانياً: تفعيل شبكة حماية اجتماعية*
من خلال خط ساخن يعمل 24 ساعة تابع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية لاستقبال بلاغات الأطفال.
وتوفير بيوت آمنة للأطفال المعرضين للخطر بإشراف قضائي واجتماعي، وليس مجرد إيواء.
وتدريب المدارس والأطباء على علامات الإساءة، فالمعلم والطبيب أول من يشاهد الطفل، ويجب أن يكون عليه واجب تبليغ قانوني.
ثالثاً: علاج ثقافي
بخطاب إعلامي وديني واضح يجرّم التحرش والاعتداء على الأطفال، ويكسر فكرة "هذا عيب نحجي بيه".
وإدخال مادة "حماية الطفل والتربية الجنسية الآمنة" في المناهج من عمر 10 سنوات، لا لتعليم جنسي فاضح، بل لتعليم الطفل أن يقول لا ويبلغ.
رابعاً: علاج نفسي مجتمعي*
بإنشاء مراكز دعم نفسي مجاني للعوائل المفككة والتي فيها عنف.
وإطلاق حملات إعلامية تكسر الصمت: "السكوت يقتل"، و"التبليغ يحمي"، لأن أكثر المجرمين يعتمدون على صمت الضحية والعائلة. 

يونس-محمود-عدنان-درجال.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!