كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

قبلَ فواتِ الأوان. . . لماذا بكى غالب الشاهبندر؟

 في مشهدٍ هزَ مشاعرَ كثيرين، ظهرتْ صورةُ الكاتبِ والمفكرِ العراقيِ غالبٍ الشاهبندر، وهوَ يبكي بحرقةِ رجلٍ أثقلتهُ السنوات، وأوجعتهُ خيباتُ السياسة، وأتعبهُ ما آلَ إليهِ حالُ البلادِ والعباد أمام احدى القنوات الفضائية.. 
  لمْ يكنْ بكاء رجلٍ تجاوزَ الثمانينَ مجرد دموعٍ عابرة، بلْ كانَ رسالة تختصرُ وجع وطن، وتحذيرٍ أخيرٍ لمما زالوا يتربعونَ على كراسيِ السلطة، حينَ يبكي الكبار، لا يبكونَ ضعفا، بلْ لأنهمْ رأوا ما لا يراهُ الآخرون، وعرفوا منْ تقلباتِ الدنيا ما يجعلهمْ يدركونَ أنَ الظلمَ لا يدوم، وأنَ السلطةَ مهما طالَ أمدها، فإنها زائلة، وأنَ الشعوبَ قدْ تصبرُ طويلاً لكنها لا تنسى.
   لخصَ الرجلُ المهيب، أسبابَ الانهيارِ السياسيِ والأخلاقيِ بكلماتٍ موجعة؛ حينَ أشارَ إلى التمادي في الفساد، والتجاوزِ على القانون، والركضِ خلفَ المالِ الحرام، والانشغالِ بالمصالحِ الشخصيةِ على حسابِ الوطن، فتلكَ السياساتُ التي صنعتْ فجوة عميقة بينَ الشعبِ والطبقةِ السياسية، حتى أصبحَ المواطنُ يرى في السلطةِ بابا للامتيازاتِ لا بابا للخدمة.
 إنَ أخطرَ ما يصيبُ الأممَ ليسَ الفقرَ وحده، بلْ فقدانَ الثقة، وعندما يفقدُ الناسُ ثقتهمْ بالحاكم، تبدأُ الدولةُ بالتآكلِ منْ الداخلِ مهما امتلكتْ منْ قوةٍ أوْ نفوذ، لقدْ أقسمَ كثيرا يومَ تسلمهمْ المناصبَ التشريعيةَ أوْ التنفيذيةَ أوْ القضائيةَ، أنْ يحفظوا الوطن، ويصونوا الأمانة، لكنَ بعضهمْ جعلَ القسم مجرد كلماتٍ تقالُ أمامَ الكاميرات، ثمَ تدفنُ تحتَ موائدِ المصالحِ والمكاسب.
 يقول سبحانهُ وتعالى في كتله الكريم:( وأوفوا بالعهدِ إنَ العهدَ كانَ مسؤولا..) الإسراءِ ، 34، وكذلك في قوله تعالى( ولا تشتروا بعهدِ اللهِ ثمنا قليلا) النحلِ ، 95.  فكمْ منْ مظف عام باعَ ضميره بثمنٍ قليل، وظنَ أنَ السلطةَ دائمة، ناسيا أنَ دعوةَ المظلومِ لا تسقطُ بالتقادم، ولعلَ في قصةِ نبيِ اللهِ يعقوب (ع) درسا بليغا في الحكمةِ والبصيرة؛ فقدْ كانَ قلب الأبِ الشيخِ يرى ما لا يراهُ الآخرون، ويشعرُ بالخطرِ قبلَ وقوعه. قالَ تعالى: على لسانه كما في قوله تعالى: ( إني ليحزنني أنْ تذهبوا بهِ وأخافُ أنْ يأكلهُ الذئب) يوسفَ، 13. وكانَ حزن يعقوبَ حزنَ الحكيمُ المجرب، الذي يعرفُ قسوةَ الدنيا وتقلباتِ النفوس، وكذلكَ همْ كبارُ السن، يحملونَ خلاصةْ العمر، وتجارب الأيام، ولذلكَ كانتْ كلماتهمْ أثمنَ منْ الذهب. وقدْ قيلَ قديما: " إذا شابَ الرأي جاءَ بالحكمةِ ". وقيلَ أيضا: " منْ لمْ يسمعْ لكبارِ السن، سمعا لندمِ السنينَ ".
 إنَ الأممَ التي لا تستفيدُ منْ تجاربِ حكماتها وكبارها، تعيدُ أخطاءها بصورةِ أكثرِ قسوة. واليوم، ما زالَ أمامَ السياسيينَ متسع منْ الوقتِ لمراجعةِ أنفسهم، وإعادةْ بناءِ الثقةِ معَ الناس، والعودةِ إلى صوتِ الضميرِ، قبلَ أنْ يأتيَ يومٌ لا ينفعُ فيهِ الندم، فالسلطةُ ليستْ غنيمة، بلْ مسؤولية، والوطنُ ليسَ شركة لتقاسمِ الأرباح، بلْ أمانةٍ في أعناقِ الجميع.
   إنَ دموعَ رجلٍ كبيرٍ مثلَ  الاستاذ غالبِ الشاهبندرْ، ليستْ حدثا عابرا، بلْ جرس خطرٍ يدقُ بقوة، ورسالةٍ تقولُ لمنْ في الحكم: انتبهوا. . . فالشعوبُ قدْ تصبر، لكنَ التاريخَ لا يرحم. وقبلَ فواتِ الأوان.

2(14).jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!