كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الغدير: فلسفة الوحدة الإنسانية في مشروع الإمام علي (ع)

ليست الأحداث العظيمة تلك التي تقع في زمنها ثم تنقضي، وإنما تلك التي تتحول إلى فكرةٍ قادرة على عبور العصور، وإلى قيمةٍ تتجدد كلما احتاج الإنسان إلى النور. ومن هذا المنطلق لا يمكن النظر إلى الغدير بوصفه واقعة تاريخية محصورة في مكان وزمان، بل بوصفه إعلاناً عن مبدأ، وكشفاً عن فلسفة، وتأسيساً لرؤيةٍ أرادت أن تصون الدين من التحول إلى سلطة، وأن تحفظ الإنسان من السقوط في متاهات العصبية والفرقة والاستبداد.
 
لقد جاء الغدير في لحظة اكتمال الرسالة، بعد أن أُنجز البناء العقدي والتشريعي والأخلاقي للإسلام، وكأن السماء كانت تريد أن تقول للبشرية إن الرسالات لا يكفيها أن تنزل من السماء، بل تحتاج أيضاً إلى من يجسدها على الأرض. فالكلمات مهما بلغت من السمو تبقى معرضة للتأويل، أما القيم عندما تتحول إلى إنسان فإنها تصبح أكثر وضوحاً وأبقى أثراً.
 
ومن هنا يمكن فهم سر ارتباط الغدير بالإمام علي عليه السلام؛ لأن علياً لم يكن مجرد فردٍ من أفراد الأمة، بل كان تجسيداً حياً لمنظومة القيم التي أراد الإسلام أن تبني الإنسان عليها. كان صورةً للعدل حين يواجه السلطة، وصورةً للرحمة حين يلتقي بالضعفاء، وصورةً للعلم حين يواجه الجهل، وصورةً للإنسانية حين تضيق الصدور بالاختلاف.
 
إن جوهر الغدير ليس في سؤال: من يحكم؟ بل في سؤال أعمق بكثير: كيف ينبغي أن يكون الحاكم؟ وما هي الأخلاق التي ينبغي أن تقود المجتمع؟ وما هي الرؤية التي تحفظ وحدة الإنسان قبل وحدة الدولة؟
 
لهذا لم تكن الإمامة في بعدها العميق امتيازاً سياسياً، بل مسؤولية أخلاقية. إنها انتقال مركز الثقل من القوة إلى الحق، ومن الغلبة إلى العدالة، ومن سلطة الأشخاص إلى سلطة القيم.
 
وحين نتأمل سيرة الإمام علي نجد أن أعظم ما يلفت النظر فيها أنه لم ينظر إلى الإنسان من زاوية انتمائه، بل من زاوية إنسانيته. كانت رؤيته للإنسان أوسع من الحدود الضيقة التي يصنعها التعصب الديني أو القبلي أو السياسي.
 
ولهذا جاءت كلمته الخالدة لمالك الأشتر أشبه بإعلان عالمي لحقوق الإنسان قبل أن تعرف البشرية مواثيقها الحديثة بقرون طويلة:
 
«الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
 
إنها ليست عبارة عابرة في كتاب سياسة، بل رؤية فلسفية كاملة للعالم. فالإمام هنا يؤسس لمفهوم جديد للعلاقة بين البشر؛ علاقة لا تقوم على التشابه الكامل، وإنما على الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية.
 
إنه لا يطلب منك أن تحب الآخر لأنه يشبهك، بل لأنه إنسان مثلك.
 
ولا يطلب منك أن تعترف بحقه لأنه يشاركك العقيدة، بل لأنه يشاركك الإنسانية.
 
وهنا تكمن عبقرية المنهج العلوي؛ إذ ينقل الإنسان من دائرة التعصب إلى فضاء الرحمة، ومن منطق الإقصاء إلى منطق الاحتواء.
 
ولذلك لم يكن غريباً أن يغضب الإمام علي حين رأى الشيخ النصراني يتسول في طرقات الكوفة.
 
ففي نظر الكثيرين كان الرجل مجرد فرد ينتمي إلى دين آخر، أما في نظر الإمام فكان إنساناً أفنى عمره في العمل ثم تُرك وحيداً في شيخوخته.
 
كان السؤال الذي طرحه الإمام أعمق من قضية المساعدة المالية:
 
كيف تقبل دولة تدّعي العدالة أن تستفيد من جهد الإنسان في شبابه ثم تتخلى عنه في ضعفه؟
 
وكيف يمكن للضمير أن يسكت أمام كرامة تُهان بسبب اختلاف الدين؟
 
لقد أدرك الإمام أن العدالة لا تتجزأ، وأن المجتمع الذي يسمح بانكسار إنسان واحد إنما يعلن فشله الأخلاقي كله.
 
ومن هنا أمر بأن يُخصص للرجل عطاء من بيت المال، ليس من باب الصدقة، بل من باب الحق.
 
فالإنسان في فلسفة الإمام علي لا يعيش على هامش المجتمع، وإنما هو جزء من نسيجه الأخلاقي، وكل اعتداء على كرامته هو اعتداء على ضمير الأمة بأكملها.
 
والأمر نفسه يتجلى في موقفه من الكنيسة القديمة التي رفض أن تُهان أو يُنتقص من حرمتها.
 
لم يكن الإمام يناقش صحة العقائد هناك، ولم يكن يتنازل عن قناعاته الإيمانية، لكنه كان يرتفع فوق منطق الكراهية.
 
لقد رأى أن المكان الذي ارتفعت فيه الأكف بالدعاء، وانحنت فيه الجباه بحثاً عن الله، يكتسب حرمةً من تلك الروح المتوجهة إلى الخالق.
 
كان ينظر إلى البعد الروحي في الإنسان قبل أن ينظر إلى اختلافاته.
 
ولهذا رفض أن يتحول الاختلاف العقدي إلى مبرر لامتهان مقدسات الآخرين.
 
إنها أخلاق الأنبياء الذين جاؤوا ليهذبوا الإنسان لا ليزرعوا الأحقاد في قلبه.
 
ولهذا أيضاً لم يكن الإمام علي مشروع انقسام، بل مشروع وحدة.
 
والوحدة في فكره ليست اتفاقاً شكلياً يخفي التناقضات، وليست صمتاً مفروضاً بالقوة، وإنما هي عدالة تجعل الجميع يشعرون بالانتماء.
 
فالناس لا يجتمعون حول السيف طويلاً، لكنهم يجتمعون حول العدل جيلاً بعد جيل.
 
ولا يوحدهم الخوف، بل توحدهم الكرامة.
 
ولا تجمعهم المصالح العابرة، بل تجمعهم القيم الكبرى.
 
ومن هنا نفهم قول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام:
 
«وإمامتنا أماناً من الفرقة».
 
فالفرقة ليست مجرد اختلاف في الرأي، بل هي نتيجة مباشرة لغياب العدالة وانهيار الثقة وضياع القيم الجامعة.
 
أما حين تكون القيادة تجسيداً للحق والرحمة والإنصاف، فإنها تتحول إلى مركز جذب أخلاقي تلتقي عنده القلوب قبل أن تلتقي المصالح.
 
إن عالم اليوم، رغم تقدمه العلمي الهائل، ما زال يعاني من أزمات أخلاقية عميقة. فالحروب تُشن باسم الهويات، والكراهية تُنتجها العصبيات، والإنسان كثيراً ما يُختزل إلى طائفته أو قوميته أو لونه أو معتقده.
 
وفي وسط هذا الضجيج يعود الإمام علي ليقدم درساً مختلفاً:
 
أن الإنسان أكبر من هوياته الجزئية.
 
وأن العدالة أوسع من الانتماءات.
 
وأن الرحمة أقوى من الكراهية.
 
وأن وحدة البشر لا تبدأ من تشابههم، بل من احترام اختلافهم.
 
وهكذا يبقى الغدير حدثاً مفتوحاً على المستقبل، لا لأنه حسم قضية تاريخية فحسب، بل لأنه قدم للبشرية نموذجاً أخلاقياً ما زالت تحتاج إليه.
 
ويبقى الإمام علي شاهداً على إمكانية أن تجتمع القوة مع الرحمة، والعقيدة مع التسامح، واليقين مع احترام الإنسان.
 
وحين يُفهم الغدير بهذا العمق، فإنه لا يعود عيداً لفئة من الناس، بل يصبح عيداً لكل قيمةٍ تجمع البشر، ولكل عدالةٍ تحمي الضعفاء، ولكل رحمةٍ تضمّد جراح العالم، ولكل إنسانٍ يؤمن أن كرامة الإنسان هي الطريق الأقصر إلى الله.

عيد_الغدير.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!