يواصل العدد (181) من مجلة النجف الأشرف أداء رسالته الثقافية والفكرية في تقديم موضوعات متنوعة تجمع بين الفكر والدين والتاريخ والتراث والأدب، بما يعكس حرص المجلة على إثراء المعرفة وتعزيز الوعي لدى القارئ. وقد ضمّ هذا العدد مجموعة من البحوث والمقالات والتحقيقات التي تناولت قضايا إنسانية وفكرية واجتماعية، فضلاً عن موضوعات تاريخية وتراثية تسلط الضوء على محطات مهمة من تاريخ العراق والعالم.
وفي هذه القراءة الموجزة نحاول الوقوف عند أبرز ما تضمنه العدد من مقالات ودراسات، من خلال عرض مختصر لأفكارها ومحاورها الرئيسة، بما يتيح للقارئ تكوين صورة عامة عن محتوى العدد وما يقدمه من معارف ورؤى متنوعة.
- أول الكلام: ضبط إعادة المصنع
بقلم: رئيس التحرير السيد غيث شبر
يتناول الكاتب فكرة استثمار شهر رمضان بوصفه فرصة لإعادة بناء الذات وتطهيرها من آثار الذنوب والأخطاء، مشبهاً الإنسان بمصنع يحتاج إلى إعادة ضبط وتشغيل بين حين وآخر. ويرى أن نعمة التوبة والتغيير لا تقتصر على شهر رمضان، بل تبقى متاحة في جميع أيام العمر لمن أراد أن يبدأ من جديد ويصحح مساره.
- سوق الحويش
بقلم: البروفيسور صادق المخزومي
يوثق الكاتب جانباً مهماً من الذاكرة الاجتماعية والتاريخية لمدينة النجف الأشرف من خلال استعراض سوق الحويش وأبرز معالمه ومحاله التجارية وشخصياته الشعبية. وتمثل المادة سجلاً تراثياً غنياً يعكس طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في النجف خلال القرن الماضي، ويحفظ الكثير من التفاصيل التي قد تغيب عن ذاكرة الأجيال الجديدة.
- الخلافات الزوجية.. طبيعية ولكن!
بقلم: حسن جوادي
يتناول الكاتب طبيعة الخلافات الزوجية بوصفها ظاهرة ملازمة للحياة الإنسانية منذ نشأة الأسرة، مؤكداً أن الاختلاف بين الرجل والمرأة أمر طبيعي نابع من الفوارق النفسية والعاطفية والاجتماعية بينهما. ويرى أن كثيراً من المشكلات تنشأ بسبب سوء فهم كل طرف لطبيعة الآخر، فضلاً عن التباين الثقافي والاقتصادي وفقدان الثقة. ويخلص إلى أن نجاح الحياة الزوجية يقوم على التفاهم والتضحية والصبر واحترام خصوصية الشريك، لا على محاولة فرض التشابه الكامل بين الزوجين.
-فيلسوف الإسكندرية.. الحكيم الذي فك شفرة التعارض بين النص التوراتي والفلسفة
بقلم: موفق هاشم عبيد
يسلط الكاتب الضوء على شخصية فيلون الإسكندري ودوره في التوفيق بين الفكر الديني اليهودي والفلسفة اليونانية عبر منهج التأويل المجازي. ويبين كيف سعى فيلون إلى تجاوز التعارض الظاهري بين النصوص المقدسة والعقل الفلسفي، مؤسساً لاتجاه فكري ترك أثراً واسعاً في الفكر الديني اللاحق. كما يناقش المقال جذور الهرمنيوطيقا اليهودية ومناهج التأويل المختلفة، مبيناً أثرها في تفسير النصوص الدينية وتوجيه الفكر اللاهوتي.
-ثروة الزراعة في العراق
تحقيق: أمير البركاوي
يتناول التحقيق واقع القطاع الزراعي العراقي وأهميته في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق الأمن الغذائي، مستعرضاً بالأرقام تطور إنتاج الحنطة والشعير خلال عامي 2018 و2019. ويشير إلى أن وفرة الأمطار أسهمت في تحقيق قفزة كبيرة في الإنتاج الزراعي بعد سنوات من التراجع، مما عزز الاكتفاء الذاتي ورفد البطاقة التموينية بالمفردات الأساسية. ويؤكد التحقيق أن النهوض بالزراعة والصناعة يمثلان الركيزة الحقيقية لبناء اقتصاد وطني متوازن بعيداً عن الاعتماد المفرط على النفط.
- أبعد من السراب!
بقلم: موفق الرحال
تدور أحداث القصة حول شخصية تعود إلى قريتها بعد غياب طويل بدافع الحنين والبحث عن ذكريات الماضي الجميل. ومن خلال هذا الرجوع يستحضر الكاتب صور القرية وأجواءها الاجتماعية وحكايات أهلها التي شكلت جزءاً من تكوينه النفسي والوجداني. وتعكس القصة مشاعر الاغتراب والشوق إلى الجذور، وتطرح تساؤلات عن العلاقة بين الإنسان ومكانه الأول الذي يبقى حاضراً في الذاكرة مهما ابتعدت المسافات.
- الحصان التركي والشَّنتر المكسور
بقلم: عبد علي الساعدي
يعرض الكاتب حكايتين من التراث الشعبي العراقي تُرويان في المجالس العشائرية بأسلوب رمزي للتعبير عن مفهوم الغيرة والكرامة. الأولى تتحدث عن حصانٍ أصيب إصابةً مؤلمة ولم يُبدِ أي رد فعل، فاعتبر صاحبه التركي ذلك دليلاً على فقدان الغيرة لا على الشجاعة. أما الثانية فتروي قصة رجل لم تستفزه الإهانات الشخصية، لكنه غضب عندما مُسَّ ماله، ليُستدل من ذلك على اختلال سلّم القيم لديه. والمقالة تسعى إلى إبراز مكانة الغيرة والحمية في الثقافة الشعبية العراقية.
- سد دوكان عام 1956م
المهندس الاستشاري: تحسين عمارة
يستعرض المقال تاريخ إنشاء سد دوكان بوصفه أول سد كبير في العراق الحديث، مبيناً مراحل التخطيط والتنفيذ التي بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي وانتهت عام 1959. كما يوضح أهمية السد في خزن المياه وتوليد الطاقة الكهربائية والسيطرة على الفيضانات، فضلاً عن دوره في تنمية المنطقة وتحويلها إلى مركز سياحي بارز في إقليم كردستان. وقد أُرفق المقال بصورة تاريخية نادرة توثق أعمال الإنشاء سنة 1956.
- مستشفى الكفيل يمتلك تقنية تحدد جنس الأورام خلال 15 دقيقة
متابعة صحفية
يتناول التقرير التطور التقني في مختبرات مستشفى الكفيل التخصصي بكربلاء من خلال اعتماد تقنية التقطيع المجمّد (Frozen Section)، التي تمكّن الأطباء من تشخيص طبيعة الورم أثناء العملية الجراحية وخلال مدة قصيرة جداً. ويسلط الضوء على فوائد هذه التقنية في تقليل المخاطر واختصار الوقت والحد من الحاجة إلى عمليات إضافية، مع تأكيد الأطباء أن مستوى هذه الخدمات يضاهي ما هو متوافر في المستشفيات المتقدمة عالمياً.
- كوخ العم توم
قراءة: عدنان الياسري
يقدم الكاتب عرضاً لرواية «كوخ العم توم» للكاتبة الأمريكية هارييت بيتشر ستاو، التي تُعد من أشهر الروايات المناهضة للعبودية في القرن التاسع عشر. ويتناول المقال سيرة المؤلفة وظروف كتابتها للرواية، ثم يستعرض أحداثها وشخصياتها الرئيسة وما جسدته من معاناة العبيد السود في الولايات المتحدة. كما يناقش أثر الرواية في تشكيل الرأي العام الأمريكي وإسهامها في تعزيز الدعوات المناهضة للرق، حتى عُدّت من الأعمال الأدبية المؤثرة في المناخ الذي سبق الحرب الأهلية الأمريكية.
- مختصر أخبار الحملة الصليبية الثالثة
بقلم: باسم الساعدي
يتناول المقال أحداث الحملة الصليبية الثالثة التي جاءت عقب انتصار صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين واستعادة القدس. ويعرض الكاتب التطورات السياسية والعسكرية التي أعقبت الفتح، وردود الفعل الأوروبية الواسعة التي دفعت ملوك ألمانيا وفرنسا وإنكلترا إلى تجهيز حملة عسكرية جديدة نحو المشرق. كما يستعرض حصار صور وتحركات الجيوش الصليبية والأيوبية، في قراءة تاريخية مختصرة لأحد أهم فصول الصراع الصليبي الإسلامي.
- حرمة الإنسان في الدين
- مقتطفات من كتاب: اتجاه الدين في مناحي الحياة
لسماحة السيد محمد باقر السيستاني
يتناول النص مبدأ حرمة الإنسان بوصفه أصلاً ثابتاً في الإسلام لا يقتصر على المسلمين أو المعاهدين، بل يشمل الإنسان بما هو إنسان ما لم يكن معتدياً أو مفسداً في الأرض. ويؤكد أن حفظ النفس والكرامة الإنسانية من المبادئ المشتركة بين الشرائع السماوية، مستنداً إلى النصوص القرآنية وسيرة أهل البيت (عليهم السلام). كما يبين أن العلاقة مع الآخر ينبغي أن تقوم على العدل والرحمة واحترام الحقوق بعيداً عن التعصب والتمييز.
يكشف العدد (181) من مجلة النجف الأشرف عن تنوع معرفي لافت يجمع بين الدراسات الفكرية والبحوث التاريخية والموضوعات الدينية والاجتماعية والأدبية، وهو ما يعكس سعة الأفق الثقافي للمجلة وحرصها على مخاطبة اهتمامات القراء المختلفة. كما تؤكد المواد المنشورة أهمية استحضار التجارب التاريخية والإنسانية، وربطها بواقع الإنسان المعاصر وما يواجهه من تحديات فكرية وأخلاقية واجتماعية.
وتبقى هذه القراءات الموجزة نافذة تعريفية بمحتوى العدد، تسعى إلى تشجيع القارئ على العودة إلى النصوص الأصلية والاستفادة مما تتضمنه من أفكار ومعارف ورؤى تثري الثقافة وتعمق الوعي، وتؤكد استمرار مجلة النجف الأشرف في أداء دورها الثقافي والمعرفي الرصين.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!