كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 جرائم الابتزاز الإلكترونية وأثرها على المجتمع العراقي في منظور الفقه الإسلامي

 
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين إن الانحراف الرقمي يعد جرماً يمس مقاصد الشريعة وينتهك الضرورات الخمس لما يسببه للضحايا من ضغوط نفسية حادة قد تدفعهم نحو الانتحار أو ارتكاب جرائم غسل العار.
وتكتسب المقاربة الفقهية أهميتها أمام قصور النص الوضعي العراقي؛ إذ يعاني المشرع من فجوة تشريعية لغياب قانون خاص بالجرائم المعلوماتية. ويضطر القضاء المحلي للاستناد إلى المادتين(430) و (431)من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل المتعلقتين بجرائم التهديد وهي نصوص باتت قاصرة بمفردها عن مواكبة الذكاء الإجرامي والوسائل الرقمية الحديثة.
إن الشريعة الإسلامية تتميز بالمرونة وصلاحية أحكامها لمعالجة النوازل والمستجدات ورغم الطفرة التكنولوجية والأوضاع الرقمية المتسارعة في المجتمع العراقي، إلا أن هذا التحول اصطدم بتراجع الوازع الأخلاقي والديني، مما حول الفضاء الرقمي إلى بيئة خصبة لظهور جرائم مستحدثة، وعلى رأسها الابتزاز الإلكتروني.
 وإزاء هذا الترهل التشريعي، وتعاظم الشروخ التي يلتهم بها هذا الإرهاب الرقمي النسيج الأسري العراقي مهدداً السلم الأهلي يغدو الاتكاء على مائدة الفقه الإسلامي ضرورة حتمية. ومن هذا المنطلق، يعيد هذا المقال تفكيك مشهد الابتزاز الإلكتروني في العراق، ساعياً لشرعنته جنائياً عبر تكييفه كمعصية تعزيرية مستحدثة، واستنباط القواعد الفقهية لبناء مصدات شرعية رادعة تحسم تغول الجناة وتكفل حصانة المجتمع.
لذا سنتناول في المحاور الآتية أبعاد هذه القضية وموقف الشريعة الإسلامية منها وبعض النصوص القانونية المهمة :
المحور الأول:التعريف بالجرائم الإلكترونية والابتزاز الرقمي والتأصيل القانوني لها في ضوء المادتين (430)و(431)من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 معدل
أولاً: تعريف الجريمة الإلكترونية والابتزاز الرقمي وفقاً لمصادرهما الرسمية
 تعرف الجريمة الإلكترونية بحسب مسودة مشروع قانون جرائم المعلوماتية العراقي المستندة إلى اتفاقي بودابست الدولية بأنها كل فعل غير قانوني يرتكبه الجاني باستخدام الهواتف أو الحواسيب أو شبكة الإنترنت بهدف سرقة البيانات، أو التعدي على أموال الناس، أو تشويه سمعتهم بالباطل.
 أما الابتزاز الإلكتروني فيعرف وفقاً للدليل الإجرائي لمديرية الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية العراق كتبه الدكتور فخري الحديني في شُرّاح قانون العقوبات بأنه قيام شخص بتهديد الضحية بنشر صورها أو أم الخاصة التي حصل عليها عبر اختراق حساباتها أو خداعها، وذلك لإجبار الضحية تحت الضغط والخوف على مبالغ مالية أو القيام بأفعال رغماً عنها.
ثانياً: التأصيل القانوني للابتزاز في ضوء المادتين( 430 )و(431) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969
يُكيّف القضاء العراقي ومحكمة التمييز جرائم الابتزاز السيبراني عبر مسارين جنائيين:
المسار الأول: جناية التهديد المشروط المادة (430)
الركن المادي ومستنداته: يتجلى في توجيه تهديد معنوي عبر وسائط رقمية كرسائل أو تقنيات التزييف العميق.
العنصر المفترض: يُشترط اقتران التهديد بطلب مالي ابتزاز مالي أو إجبار الضحية على فعل أو امتناع.
الوصف الجنائي والعقوبة: يُكيّف الفعل كـ "جناية" تصل عقوبتها إلى السجن لمدّة لا تزيد على سبع سنوات.
التشديد القضائي: ينزع القضاء للنطق بالحد الأعلى للعقوبة لخطورة الفضاء الرقمي، وسرعة انتشار الفضيحة، وعجز الضحية عن احتوائها.
المسار الثاني: جنحة التهديد البسيط المادة (431)المعيار التمييزي: خلو التهديد الإلكتروني من أي طلب أو أمر، واقتصاره على التشهير وتصفية الحسابات بدافع الانتقام.
الوصف الجنائي والعقوبة: يُكيّف السلوك كـ "جنحة" تخفف عقوبتها إلى الحبس من يوم إلى 3 سنوات أو الغرامة لغياب الضغط المالي.
ثالثاً: العيوب والمشاكل الواقعية عند تطبيق هذه المواد في المحاكم العراقية
يصطدم التطبيق القضائي للنصوص التقليدية بعقبات تكنولوجية وإجرائية أبرزها:
عقبة الهوية الرقمية: صعوبة إثبات الهوية الحقيقية للمبتز نتيجة تخفيه خلف حسابات وهمية وبرامج تعمية الاتصال.
الفجوة التشريعية (المحرض والشريك): إفلات المحرض والشريك كفعل مستقل بسبب حصر النص التشريعي للعقاب على النتيجة النهائية (التهديد).
إفلات الأفعال التحضيرية: عدم معاقبة الأفعال التي تسبق التهديد مثل اختراق الهواتف وسرقة الصور إذا وقف السلوك دون نتيجة.
قصور النصوص الجنائية: عجز القضاء أمام الفيديوهات والصور المفبركة وقصور النصوص التقليدية عن مواكبة آليات فحص الأدلة الرقمية.
أزمة الإثبات التكنولوجي: صعوبة التمييز بين الدليل الرقمي الحقيقي والمزيف بالذكاء الاصطناعي، ونقص الخبرة الفنية والقدرات الرقمية لدى جهات التحقيق.
تحديات التعقب المالي: ضعف الصلاحيات القضائية لتتبع الأموال الإلكترونية، واعتماد المبتزين على قنوات دفع سريعة التسييل كالمحافظ الرقمية وكروت الشحن لا تخضع لسلطات الرقابة التقليدية.
المحور الثاني: الأدلة الرقمية والتأصيل الفقهي لجريمة الابتزاز في ميزان الشريعة الإسلامية والشواهد التاريخية
لا ينفصل الواقع الرقمي المعاصر عن عموم أحكام الشريعة الإسلامية؛ إذ يتسم فقهها بمرونة عالية لاستيعاب المستجدات وتفكيك السلوك الإجرامي المنحرف. والابتزاز الإلكتروني سلوك إجرامي مركب يتصادم مع المقاصد الضرورية للتشريع.
أولاً: التأصيل الشرعي من القرآن الكريم والسنة النبوية
يتوجه النهي الإلهي المباشر والقطعي لتجريم المقومات البنيوية التي تنهض عليها هذه الجريمة وفق الأبعاد الآتية:
التجسس واختراق الخصوصية: منهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، وهو ما ينطبق معاصراً على اختراق الأنظمة الذكية وسحب البيانات الشخصية.
الترويع وسلب الإرادة: حرم الإسلام سلب إرادة الإنسان لقوله ﷺ: }لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا{، وهو ما يفعله المبتز بضحاياه تماماً.
ثانياً: شواهد قضائية تاريخية من عهد الإمام علي عليه السلام في الكوفة
تنهض السياسة الجنائية للإمام علي(ع) كمرتكز أصيل لمناهج التحقيق الحديثة وفحص البيانات المعقدة؛ إذ أسس لأدوات كشف الإكراه الإجرامي والتهديد النفسي عبر الواقعة الآتية:
تفاصيل الواقعة والقرار رفعت للإمام (ع)قضية رجل هدد آخر بإفشاء سر لابتزازه مالياً، فبادر الإمام فوراً بمعاقبة الجاني وتأديبه بمجرد ثبوت التهديد دون انتظار وقوعه فعلياً، مما يؤكد أن الترهيب جريمة تستوجب العقاب الفوري.
ثالثاً: التكييف الفقهي المعاصر في ضوء فتاوى المرجعية الدينية العليا وعقوبات التعزير
تتفق الأدبيات الفقهية المعاصرة على أن الابتزاز الإلكتروني جريمة تعزيرية لعدم ورود عقوبة مقدرة بحد أو قصاص، مما يمنح القاضي والسلطة التشريعية فرض عقوبات بدنية أو مالية رادعة وفق المعطيات الآتية:
مشروعية التعزير لحماية الأموال: يتبنى الفقه الإفتاء بالاستناد إلى رأي السيد السيستاني بمعاقبة المبتز مالياً؛ كون الأموال المستحصلة تحت وطأة التهديد الرقمي تُعد غصباً وأكلاً للمال بالباطل.
إلزام المجرم بالضمان والرد المالي: يؤكد شُرّاح الشريعة تلازم العقوبة الشرعية مع المادة 430 من ق.ع.ع، رقم 111 لسنة 1969 المعدل، بإلزام المجرم بالضمان والرد؛ إذ لا تبرأ ذمته شرعاً وقانوناً إلا بإعادة كافة الأموال المستحصلة دون وجه حق.
المحور الثالث:الاستراتيجيات الإجرائية والتدابير المؤسسية للوقاية من جرائم الابتزاز الإلكتروني
تقتضي فاعلية السياسة الجنائية المعاصرة عدم الاكتفاء بالمعالجة العقابية اللاحقة، بل توجيه الجهود نحو بناء منظومة وقائية استباقية متكاملة تتوزع بين تحصين سلوك الفرد وبناء المصدات المجتمعية؛ بهدف تجفيف منابع الجريمة المعلوماتية وتصغير فرص الجناة.
أولاً: التدابير الوقائية والممارسات الأمنية على مستوى الفرد
تفعيل بروتوكولات الأمن السيبراني الشخصي: الالتزام بتطبيق آليات التحقق الثنائي، وحظر مشاركة الصور العائلية الحساسة على المنصات السحابية المفتوحة؛ لقطع الطريق على عمليات الاستدراج والقرصنة.
إدارة الحذر الجنائي وكسر حاجز الخوف الاجتماعي: الامتناع عن التفاعل مع الروابط الوهمية المجهولة، والمبادرة الفورية للإبلاغ عن التهديد الأول دون الانصياع الإذعاني لطلبات المبتز.
   ثانياً: الآليات المؤسسية والمبادرات الجماعية لتحصين المجتمع العراقي
يتطلب تحصين النسيج المجتمعي تضافر الأدوار بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الفقهية والتعليمية من خلال إطلاق حملات التوعية وبناء شبكات الأمان للمجتمع. والتأكيد على تفعيل دور المنبر الديني والإرشاد الأسري من خلال رفع سلطات توعوية تركز على جريمة انتهاك الأعراض الرقمية، وعدم الضحية لضحايا هذا النوع من الجرائم.
الخاتمة،
أولاً: أبرز النتائج:
التأصيل الشرعي والتاريخي أثبتت الدراسة تظافر الأدلة الشرعية من القرآن والسنة في تحريم التجسس والابتزاز، والاستشهاد بقضاء الإمام علي (عليه السلام)في معالجة التهديد النفسي وفتاوى السيد السيستاني ببطلان أي تنازل يقع تحت الإكراه وإلزام المجرم برد الأموال وضمانها.
ثانياً: خطوات الوقاية المقترحة:
 التحصين الرقمي تعزيز آليات حماية الحسابات الشخصية للأفراد، وتفعيل قنوات الإبلاغ السريع عبر الشرطة المجتمعية.
التكامل المؤسسي بناء منظومة تنسيق مرنة ومباشرة بين السلطة القضائية وشركات الاتصالات لتسريع ملاحقة الجرائم الرقمية.
التحديث الفكري والتعليمي تجديد مضامين الخطاب الديني ليتواكب مع التحديات المعاصرة وإدراج مادة *التربية الرقمية*كركيزة أساسية في مناهج وزارة التربية. وأيضا الرعاية والمساندة النفسية

الابتزاز.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!