لم تكن( المݘرية) مجرد جدولٍ مائيٍ صغيرٍ يشقُ طريقه بينَ البيوتِ والبساتين، بلْ كانتْ القلب النابض لمدينة الإسكندرية، ونافذتها المفتوحةِ على الحياةِ والذكريات. كانتْ مياهها تنسابُ بهدوءٍ منْ جهةِ مقامِ الخضرِ (ع) ، تمضي في رحلتها نحوَ قرى اللطيفية، فتمنحُ قريةْ الشاخةِ نصيبها منْ العطاء، وكأنها تحملُ في جريانها حكايات الناسِ وأحلامهمْ وأسرارهم.
في- كلَ صباح- ومساء، كانتْ ضفتيْ المݘرية ، تمتلئانِ بالشيبة والشبابِ والصبيةِ ، يسيرونَ جماعاتِ جماعات، يتسابقونَ معَ الماءِ الجاري، ويقتسمونَ ضحكاتهمْ وأحاديثهمْ تحتَ ظلالِ الأشجار.
عندَ المغيب، كانوا يجلسونَ على حافتها، يتأملونَ انعكاس الشمسِ فوقَ سطحها اللامع، فيما يجتمعُ بعضهمْ في جلساتِ السبعينياتِ البسيطة، يحتسونَ مشروباتهمْ المتواضعةَ التي فرضتها ظروف الحياةِ وقلةْ أماكنِ الترفيهِ آنذاك، حيث تضمُ المدينةُ، عددا منْ النوادي الشعبيةِ المنتشرةِ على امتدادِ المݘرية ، وفي الإسكانِ الصناعيِ الذي أنشئتْ في سبعينياتَ القرنَ الماضي.
هناك القنطرةِ الوحيدةِ، التي كانتْ تصلُ بينَ الضفتين، لمْ تكنْ الخطواتُ تنقطع، فلاح يحملُ رزقه، وطالبَ يمضي إلى مدرسته، وعاشق يترقبُ لقاءَ خاطفٍ قبلَ أنْ تسرقهُ الأيام، كانتْ القنطرةُ شاهدةً على حياةِ مدينةٍ بأكملها، تعبرُ فوقها الأحلام كما يعبرُ الناس.
ليست المݘرية، مجردُ جدولٍ مائيٍ صغيرٍ يشقُ طريقه بينَ البيوتِ والبساتين، بلْ كانتْ القلب النابض لمدينة الإسكندرية، ونافذتها المفتوحةِ على الحياةِ والذكريات.
كانتْ المݘرية ، صديقةَ الشعراءِ وملهمةْ الحالمين، كمٌ منْ قصيدةٍ ولدتْ على ضفافها، وكمْ منْ شاعرٍ جلسَ صامتا يراقبُ الماء، وهوَ يمضي، فيرى عمره يمضي معه، هناكَ تعارف الأحبة، وتصافح الأصدقاء، وتبادلتْ العيونُ الأولى رسائلها الخجولة، وهناكَ أيضا احتفظتْ الذاكرةُ بأجملَ لحظاتِ العمر.
شهدتْ ضفاف المݘرية، أفراحا لا تحصى، واحتضنتْ في أعماقها دموعا كثيرة، وعلى ضفافها كبرَ الصغار، وشاخَ الشباب، ورحلَ رجال كانوا يعرفونَ أسماءَ النخيلِ ومنعطفاتِ الماء، كما يعرفونَ أبناءهم، تبدلتْ الوجوه، وتعاقبتْ الأجيال، لكنها بقيتْ شاهدةً على الجميع، تحفظُ ذكراهمْ كما تحفظُ المياهَ صورةُ السماء.
في آخرِ زيارةٍ لهذهِ المدينة، فرحتْ جدا، حيث، جاءَ يومٌ، أرادتْ فيهِ المدينة، أنْ تردَ الجميلَ لرفيقةِ عمرها، فبطنَ مجراها وإنشاء كورنيشٍ جميلٍ على ضفافها بسواعدِ أبنائها ومسؤوليها الإداريين- حفظهمْ الله- .
فعادَ الناسُ إليها منْ جديد، وعادتْ الأمسياتِ تنبضُ بالحياةِ حولها، يجلسُ الأبناء حيثُ جلسَ الآباءُ والأجدادُ منْ قبل، وكأنَ ألم؟ ريه كانتْ تهمسُ لهم.
(أنا هنا.. لمْ أغادر، ما زلت أحملُ ذكرياتكمْ وأحلامكم، وما زلت أحبُ هذهِ المدينةَ كما تحبني).
وهكذا بقيتْ المݘرية ، أكثر منْ مجرى ماء؛ بقيتْ سيرةٌ طويلةٌ اسمها الإسكندرية، تروى جيلاً بعدَ جيل، وتهمسُ مياهها لكلِ منْ يقتربُ منها بأنَ الأعمارَ تمضي، أما الأماكنُ التي سكنتنا يوما، فإنها لا تغادرُ الأرواحُ أبدا.
لمْ تكنْ المݘرية، تحتضنُ الماء وحده، بلْ احتضنتْ مجتمعا، عرفَ بالفطرةِ الطيبةِ والإنسانيةِ والتسامح، ففي الأفراحِ والأتراحِ كانَ الجميعَ حاضرا، يتقاسمونَ الفرح، كما يتقاسمونَ الحزن، وكأنهمْ أسرةٌ واحدة.
أما كبارها، فقدْ تركوا بصماتهمْ في الذاكرة، بما عرفَ عنهمْ منْ ظرفٍ وحكمةٍ وطرائفَ لا تزالُ تروى حتى اليوم، وتحتفظُ الذاكرةُ بعشراتِ المواقفِ والقصصِ التي لا ينساها منْ بقيَ منْ أبناءِ جيلي الأربعينياتَ والخمسينيات، حفظ اللهِ الأحياء منهم، ورحمَ منْ رحلوا إلى جواره.
كانتْ مدينة الإسكندرية، وما زالت، فسيفساءَ عراقيةً جميلة؛ مدينة صغرى تختصرُ العراق الكبير، فقدْ استقبلتْ أبناءُ معظمِ المحافظات، الذينَ وجدوا فيها بابَ رزقٍ واستقرارٍ بفضلِ منشآتها الصناعيةِ الكثيرة، حتى غدتْ نموذجا للتعايشِ والمحبة.
ولعلَ أجملَ ما في ذكرياتِ الإسكندريةِ مساءاتِ الخميس، حينَ تشدُ العائلاتِ رحالها إلى مقامِ الخضرِ (ع ) ، طلبا للبركةِ والسكينة، حيثُ هناك، على ضفافِ الفرات، وهوَ يشقُ طريقهُ نحو الجنوب العراقي، تمتدُ السهراتُ العائليةُ البسيطةُ حتى صلاةِ الفجر، وتفوحُ رائحةُ الطعامِ الشعبي، فيما يوزعُ سدنةْ المقامِ الكريمِ منْ عشائرِ المسعود الكريمة، وغيرهمْ ( اللبن والخبز الحارّ والرقيّ ) على الزائرين، في مشهدٍ يفيضُ بالكرمِ والألفةِ والمحبة.
في هذهِ المدينة، لمْ يعرفْ الآذان لغةْ الطائفية، ولمْ تألفْ القلوب غير المودة والتسامح، كانتْ الإنسانيةُ هيَ الهويةَ الجامعة، والمحبةَ هيَ العنوان الأكبر.
تلكَ هيَ الإسكندرية. . . وتلكَ هيَ( المݘرية ) ، هذا ليسَ سوى بعضٍ منْ ذاكرةِ شعبٍ يسكنُ معمورة صغيرة في قلبِ العراق، لكنها كبيرةٌ بما تختزنهُ منْ محبةٍ ووفاءٍ وذكرياتٍ لا تموت.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!