تتناول هنا الإشكالية الكلامية المتعلقة بطبيعة الوجود المادي للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إبان عصر الغيبة الكبرى. ونستعرض الفرضيتين الأساسيتين اللتين طرحهما الفكر الإمامي لتفسير "ماهية الغيبة": هل هي غيبة تشخيصية (اختفاء الجسد) أم غيبة تعريفية (جهالة الهوية)، مع ترجيح الرأي المشهور استنادًا إلى الأدلة الروائية والشواهد التاريخية.
١- تحرير محل النزاع: طبيعة الغيبة
يتمحور البحث حول التساؤل الجوهري عن الكيفية الوجودية للإمام (عج) بين الناس: هل تكمن الغيبة في استتار الذات (الشخص) عن الحواس، أم في استتار الصفة (العنوان) عن الإدراك المعرفي؟ وقد تفرع عن هذا التساؤل اتجاهان رئيسيان:
الأطروحة الأولى: الحضور الفيزيقي مع التخفي الاسمي (خفاء العنوان)
يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الإمام (عج) يعيش وجودًا طبيعيًا وحضورًا مشهودًا بين الناس، بحيث تتحقق الرؤية البصرية له، ولكن ينتفي التشخيص الهويّاتي؛ فالناس يرونه كشخصٍ ما، دون أن يدركوا حقيقته كإمام.
المستند الروائية:
يستند هذا الرأي إلى نصوص معتبرة تؤسس لهذا المفهوم، منها:
النص التقريري للسفير الثاني: ما ورد في (إكمال الدين) عن محمد بن عثمان العمري: «وَاللَّهِ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ يَحْضُرُ الْمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ، فَيَرَى النَّاسَ وَيَعْرِفُهُمْ وَيَرَوْنَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ»[1].
النموذج اليوسفي (المماثلة التاريخية): استدعاء تجربة النبي يوسف (ع) كدليل قرآني وروائي على إمكانية الاجتماع بين الرؤية وعدم المعرفة، كما في رواية الإمام الصادق (ع): «...وَلَا يَعْرِفُونَهُ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ نَفْسَهُ، كَمَا أَذِنَ لِيُوسُفَ...»[2].
الأطروحة الثانية: الغيبة الحسّية (خفاء الشخص)
يفترض هذا الاتجاه أن الغيبة تعني الاستتار عن الحواس البصرية، أي أن جسد الإمام غير مرئي للناظرين، وإن كانت آثاره وعلاماته مدركة.
المستند الروائية:
يعتمد هذا الطرح على ظواهر بعض النصوص، منها:
رواية الإمام الرضا (ع): «...لَا يُرَى جَسْمُهُ وَلَا يُسَمَّى بِاسْمِهِ...»[3].
رواية الإمام الصادق (ع): «...يَغِيبُ عَنْكُمْ شَخْصُهُ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ تَسْمِيَّتُهُ»[4].
٢- المرجحات والنتائج
من خلال استقراء الآراء الكلامية والتحقيق في الدلالات النصية، يميل مشهور علماء الإمامية إلى ترجيح الأطروحة الأولى (ظهور الشخص وخفاء العنوان)؛ لكونها الأكثر انسجامًا مع الوظائف العملية للإمام، والأقرب لفهم فلسفة الانتظار والابتلاء.
٣- الشواهد التاريخية والتجريبية
يُعضّد الرأي المشهور (خفاء العنوان) التواترُ الإجمالي للحوادث التاريخية التي وثقت لقاءات مباشرة بين الإمام (عج) ونخبة من العلماء والصلحاء. هذه اللقاءات غالبًا ما تتسم بالإدراك المتأخر (إدراك الهوية بعد انتهاء اللقاء)، مما يؤكد إمكانية الرؤية مع غياب المعرفة الآنية.
نماذج من الأعيان الذين نالوا شرف اللقاء:
تم توثيق تجارب روحية ولقاءات لشخصيات بلغت مراتب عليا في التزكية النفسية والضبط الشرعي، ومنهم:
السيد رضي الدين بن طاووس.
المحقق الأردبيلي (المقدس).
السيد محمد مهدي بحر العلوم.
الشيخ الحر العاملي.
كما يمتد النطاق ليشمل حالات من عامة المؤمنين، تجسدت في صور كرامات، وقضاء حوائج، وشفاء مرضى عبر التوسل، مما يُراكم اليقين بوجود "الرعاية الأبوية" للإمام، وحضوره الفاعل في واقع الأمة، وإن غاب التشخيص المباشر.
قائمة المصادر والهوامش
1- الشيخ الصدوق، إكمال الدين وإتمام النعمة، باب ٤٥، ح ٥.
2- الشيخ النعماني، الغيبة، باب ١٠، ح ٥.
3- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج ١٢، ص ٣١٩.
4- الشيخ الصدوق، إكمال الدين وإتمام النعمة، باب ٣٨، ح ١.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!