كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

العلم والفن في القانون

 


يذهب اتجاه فقهي قانوني يتزعمه الفقيه جيني (1)، إلى أن كل قاعدة من قواعد القانون تنطوي من حيث مضمون وشكل صياغتها فكرياً على عنصرين ينبغي التمييز بينهما؛ أحدهما عنصر "العلم"، وهو عنصر موضوعي يقوم على جملة معطيات تتسم بطابع سياسي واجتماعي، والآخر عنصر خارجي ذو طابع "فني" يتعلق بصياغة أو بناء القاعدة القانونية، وهو ما أسماه جيني بعنصر "الصياغة" (2). ويرجع أساس كلا العنصرين إلى السياسة القانونية المتبناة في مجتمع ما؛ فالعنصر الموضوعي يتعلق بشؤون وحاجات وأماني وتطلعات ذلك المجتمع، ويستهدف العدالة كمثل أعلى لتنظيم ذلك على أفضل الوجوه وأكثرها ملاءمة.

ويقوم العنصر الموضوعي على جملة معطيات تُعبر في مضمونها عن الحقائق الاجتماعية والسياسية والتاريخية والمُثل والقيم العليا التي تسود في مجتمع معين، ومن هذه المُعطيات يستمد المشرع مادته الأولية أو الجوهر الذي يصوغ منه قانونه، وهذا يعني أن العنصر الموضوعي يتصل بالملاءمة وحسن التدبير.

أما الصياغة فتمثل الجانب الفني للسياسة القانونية التي تُعنى بوضع أنسب أدوات التقنية التشريعية لاحتواء المعطيات والحاجات والأهداف الاجتماعية؛ فقد يكون من المناسب أن يُضمّن العنصر الموضوعي في إطار قاعدة قانونية جامدة أو مرنة، أو معيار قانوني، أو مبدأ قانوني، أو أن يحيل المشرع الحكم إلى قواعد العدالة أو القانون الطبيعي، حسب ما يمليه مبدأ العدالة أو مبدأ أمن واستقرار المعاملات داخل المجتمع، فضلاً عما تمليه نظرة المشرع لمستقبل الحياة الاجتماعية وما يطرأ عليها من تغيرات محتومة بعد سن التشريع ونفاذه.

ومعطيات الحياة أو حقائقها عند جيني أربعة أنواع:

1. المعطيات الطبيعية الواقعية

وهي تلك الحقائق التي تتكون من ظروف الواقع المحيطة بالجماعة، وتشمل جميع الأحوال الطبيعية التي تحيط بالإنسان وتلحق به؛ كالتكوين الفسيولوجي، والوسط الجغرافي، والأحوال الأدبية والخلقية والدينية والاقتصادية والسياسية في المجتمع. وهذه الحقائق لا تخلق القواعد القانونية بذاتها ولكنها تحدد نطاقها ابتداءً؛ فتنظيم الزواج يُبنى على حقائق طبيعية كاختلاف التكوين الفسيولوجي والنفسي للرجل عن المرأة، فضلاً عن نظرة المجتمع وموقف الدين، مما يقود إلى التسليم باخلاف المركز القانوني بين الزوج والزوجة في هذا الارتباط.

2. المعطيات التاريخية

وتشمل ما تَكوّن من قواعد لتنظيم الحياة والسلوك في المجتمع ثبتت عبر الزمن مما أكسبها صلابة وقوة واحتراماً جعلت منها تراثاً مكتسباً لا يُمكن إغفاله أو التحلل منه كلياً في تكوين القانون. وهذه المعطيات هي أساس كل إصلاح وبناء قانوني جديد، فهي نتيجة الخبرة المكتسبة عبر الزمن مما يجعل لها حُجية مسلماً بها، ليست بالمطلقة ولا بالدائمة، لكنها حُجية نسبية لا تصد عن التطور وإن تكن تـَعصم من الاندفاع أو التهور.

والمعطيات التاريخية هي حقائق علمية في حقيقتها ومعناها، فالتاريخ ليس سوى التجربة التي مرت بها الإنسانية عبر الزمن، وبذلك تكون قادرة على منح القانون أساساً راسخاً وقوة وهَيبة.

فعبر التاريخ اكتسب حق الملكية احتراماً خاصاً، لم تستطع أن تنزع احترامه من النفوس حتى أقوى النظم الاشتراكية، وهكذا نصت أغلب دساتير دول العالم على أن: (حق الملكية مقدس) و(لا يجوز نزع الملكية الخاصة إلا وفقاً للقانون وبموجب تعويض عادل) (3). وهكذا الأمر بالنسبة لنظام الزواج الذي يخضع دائماً لرقابة دينية أو مدنية تسبغ عليه الصفة الشرعية، ويُنص غالباً على أنه رابطة مقدسة، فمثل هذه النصوص تجد سندها في التطور التاريخي الذي خرجت منه.

وعلى سبيل المثال، كان الزواج في المجتمعات البدائية يتم عن طريق خطف النساء من الجماعات الأخرى، وقد أدى هذا إلى استقرار فكرة الزواج من الأجنبيات أو -على الأقل- من النساء اللواتي لا يتصلن بالرجال بقرابة من درجة معينة، وهذا هو أصل فكرة المحارم (4). ولا تزال بعض مظاهر نظام اختطاف النساء قائمة إلى يومنا هذا في العديد من المجتمعات الشرقية والغربية، حيث يقوم الزوج بدور المختطف للزوجة ليلة الزفاف (لاشعورياً)، فيحملها بين ذراعيه ويذهب بها بعيداً عن المشاركين في حفلة الزفاف.

3. المعطيـات العقلـية

وتشمل القواعد التي يستخلصها العقل من المعطيات السابقة بعد صقلها وتهذيبها وتحويرها، حيث يعمل القانون على ملاءمة معطيات الواقع والطبيعة والتاريخ وموافقتها مع ما يُفرض من غاية للقانون.

وتسهم المعطيات العقلية بالنصيب الأكبر في تكوين جوهر القواعد القانونية، وما دامت هذه المعطيات مبنية على العقل فإنها تمثل الجوهر الأساسي للقانون الطبيعي، أي قواعد السلوك التي يستخلصها العقل من طبيعة الإنسان وحركة المجتمع. إلا أن المعطيات العقلية تُظهر فقط ما تبديه طبيعة الإنسان حتماً ولا تتجاوزها إلى النزعات المثالية؛ فالعقل يوحي بضرورة أن يكون الزواج ثابتاً ومستقراً حتى تنشأ أسرة متماسكة، إلا أن عدم تعدد الزوجات لا يعتبر من المعطيات العقلية بل من المعطيات المثالية، لأنه لو سايرنا منطق العقل، فإن غاية الزواج النهائية هي النسل، وتعدد الزوجات يحقق هذه الغاية بطريقة أوسع.

وللمعطيات العقلية صفة علمية بالمعنى الواسع المعبّر عن كل نشاط أو جهد عقلي تفكيري يَنفذ إلى جوهر الأشياء بوسائله المُسَلم بها الخاصة بالمعرفة دون الوسائل المتنازع في قيمتها، فيتمكن من فرض قواعده فرضاً جازماً، وإن أمكن تصور إنكارها والنزاع بشأنها من الناحية الواقعية.

4. المعطيات المثالية

وهذه المعطيات تعبر عن اتجاهات ونزعات مثالية تنحو بالنظام القانوني نحو السمو والتقدم المستمر صوب الكمال، ولا يقف معها القانون جامداً عن التطور والتقدم، حتى لو كانت المعطيات الأخرى لا تؤيد هذا التطور، إذا كان هذا التطور هو ما تقتضيه مصلحة الجماعة.

ومن ذلك أن العقل يقضي -ويسايره القانون في ذلك- أنه لا مسؤولية بدون خطأ يثبته المضرور حتى يتمكن من المطالبة بالتعويض عن الضرر، إلا أن ضرورات الحياة المعاصرة والنتائج الظالمة المترتبة على هذه القاعدة (خاصة في مجال العمل) حدت بالنزعة المثالية إلى التدخل، وضمنت للعمال الحصول على تعويض عن الإصابات على أساس مبدأ جديد هو: "المسؤولية بدون خطأ"، والذي عُرف بمبدأ "تحمل التبعة"، ومفاده أن من ترتب على نشاطه ضرر للغير يُلزم بالتعويض. وهكذا اُستبعد ركن تاريخي جوهري من أركان المسؤولية وهو الخطأ، خلافاً لمنطق العقل.

والمعطيات المثالية تتأتى من قوى غير واضحة هي الإيمان والعاطفة والرحمة، وهي تحدد بطريقة غامضة ولكن مؤكدة، ما يوجد لدى الأفراد والجماعات من معتقدات وقيم مشتركة، مما يجعل لها صفة موضوعية كافية لتكملة نقص الحقائق العقلية والحد من شدتها وجفافها وطغيانها، وإن كان من العسير إعطاؤها بوجه عام صفة علمية بحتة.

ويقرر جيني أن أهم المعطيات هي المعطيات العقلية، فجوهر القانون إنما هو عمل عقلي لأنه يصقل المعطيات الأخرى، وهو الذي يحافظ على فكرة العدل التي تُعين على إقامة النظام والأمن في الحياة الاجتماعية؛ ولهذا يستلزم جيني وجود حد أدنى لفكرة القانون الطبيعي في تكوين جوهر القاعدة القانونية، أي وجود قواعد يستخلصها العقل من طبيعة الأشياء، وهي قواعد سامية يخضع لها الأفراد.

يتضح مما تقدم، أن المعطيات العقلية هي الأهم من بين جميع المعطيات الداخلة في تكوين جوهر القانون، ولكن مسايرة منطق العقل لا تعني دائماً أنه يعطي أفضل الحلول.

على النحو المتقدم، فإن القانون علم وفن؛ فهو علم لأنه يقوم على عدد من النظريات العلمية التي شُيدت على أساس معطيات واقعية وعقلية وطبيعية ومثالية وتاريخية تعطي للقاعدة القانونية مداها ومعناها وتفسيرها، بهدف كشف المراد منها ومن ثم تطبيقها تطبيقاً سليماً على الوقائع المتطابقة مع فرض تلك القاعدة. فالقاعدة القانونية لا تُضمن في الغالب تعريفات أو شروطاً للتطبيق، فهي قاعدة عامة مجردة لا تغوص في التفاصيل عادة، مما يعني وجوب الرجوع إلى النظرية ذات العلاقة لبيان الأحكام التفصيلية وفك الغموض الذي قد يكتنف تلك القاعدة. ولا غنى للقاضي أو رجل الإدارة في حدود عمله عن الرجوع إلى تلك النظريات لتطبيق النصوص القانونية تطبيقاً سليماً لتفادي الوقوع في الخطأ في تطبيق القانون أو فهمه أو تأويله.

ومن تلك النظريات: نظرية الشخص المعنوي، ونظرية الأوضاع الظاهرة، ونظرية الظروف الطارئة، ونظرية العقد، ونظرية البطلان، ونظرية السبب، ونظرية الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة، ونظرية التكييف، ونظرية الغلو، وغير ذلك من كبرى نظريات القانون المستقرة غير القابلة للحصر، والتي تُبنى على أساس من معطيات الطبيعة والعقل والتاريخ والمنطق.

والقانون فن لأن صياغة القاعدة من حيث الشكل والمضمون ما هي إلا تعبير عن الجانب الفني للسياسة القانونية التي تُعنى بوضع أنسب أدوات التقنية التشريعية لاحتواء المعطيات والحاجات والأهداف الاجتماعية؛ فقد يكون من المناسب أن يُضمّن العنصر الموضوعي في إطار قاعدة قانونية جامدة أو مرنة، أو معيار قانوني، أو مبدأ قانوني، أو أن يحيل المشرع الحكم إلى قواعد العدالة أو القانون الطبيعي، حسب ما يمليه مبدأ أمن واستقرار المعاملات داخل المجتمع أو مبدأ العدالة، فضلاً عما تمليه نظرة المشرع لمستقبل الحياة الاجتماعية وما يطرأ عليها من تغيرات محتومة بعد سن التشريع ونفاذه.

2009

الهوامش:

1. الفقيه جيني (Gény): فقيه فرنسي كبير له الفضل في التفرقة بصدد تكوين القاعدة القانونية بين الجوهر والشكل في مؤلفه القيم (العلم والصياغة في القانون الخاص الوضعي).

2. المعطى والبناء: يُعتبر الشيء معطىً بصفة عامة حين يكون موجوداً دون أي تدخل منشئ من جانب الإنسان، فهي حقائق موجودة خارج النظام القانوني؛ مثل الطبيعة والكائنات وحوادث التاريخ... أما مصطلح البناء (أو المنشأ أو المستحدث) فيُطلق عموماً على الشيء الذي يكون سبب وجوده هو نشاط الإنسان؛ كالمنزل والشعر والاستدلال المنطقي والدولة. وفي مجال القانون يستعمل المصطلح للدلالة على طابع قانوني؛ كالعقد والزواج والشركة والوطن والملكية...

3. يرى بعض مؤرخي القانون أن أصل نشوء وتقديس الملكية العقارية يعود إلى أن القدماء كانوا يدفنون أسلافهم في حدود الأراضي التي يقومون بزراعتها، مما أضفى على الأرض صفة مقدسة، وتدريجياً اعترفت الأقوام لبعضها بحق السيطرة على هذه الأرض التي تضم الأسلاف، فنشأ نظام الملكية العقارية.

4. إن فكرة عدم الزواج من المحارم معروفة في جميع المجتمعات حتى تلك التي تعيش في مجاهل إفريقيا ولا تعرف الشرائع السماوية، وهذا نابع من الطبيعة البشرية النقية التي أودعها الله سبحانه وتعالى العقل والضمير.

المصادر العلمية:

 د. عبد الرزاق أحمد السنهوري ود. أحمد حشمت أبو ستيت، أصول القانون أوالمدخل لدراسة القانون، دار الفكر العربي، طبعة 1985.

 الأستاذ عبد الباقي البكري والأستاذ زهير البشير، المدخل لدراسة القانون، العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة.

 د. عبد الفتاح عبد الباقي، نظرية القانون، ط5، 1966.

 الأستاذ هنري باتيفول، فلسفة القانون، ترجمة د. سموحي فوق العادة، منشورات عويدات، بيروت.

 د. منصور مصطفى منصور، دروس في المدخل لدراسة العلوم القانونية (مبادئالقانون)، ج1، 1972، ص183.

 حسن كيرة، المدخل إلى القانون، 1971.

 د. عبد الحي حجازي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، ج1، القانون، 1972.

 .Gény, Science et technique en droit privé positif, t. 2

 

الفن_العلم_القانون.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!