المقدمة
تعد هذه الليلة فرصة لاستذكار السفير الأعظم مسلم بن عقيل (عليه السلام)، باب الحوائج إلى الله تعالى، الغريب المظلوم والممهد لثورة سيد الشهداء. لم يكن مسلم (عليه السلام) وحيداً في رحلة التمهيد، بل سبقه سفراء للإمامة بذلوا أرواحهم؛ منهم سليمان بن رزين سفير الإمام إلى البصرة (1)، الذي وشى به بعض وجوه القوم فقبض عليه ابن زياد وقتله قبل خروجه للكوفة. ثم عبد الله بن يقطر(2) الذي قبض عليه الحصين بن نمير عند مشارف الكوفة فسلمه لابن زياد فقتله. وقيس بن مسهر الصيداوي(3) الذي جاهر بحق الحسين (عليه السلام) من على منبر قصر ابن زياد بعد أن رفض سب الإمام، فألقوه من أعلاه شهيداً. كما برز هاني بن عروة(4)، سيد قومه وموالي أهل البيت (عليهم السلام)، الذي آوى مسلماً في داره، فاستخدم ابن زياد حيلة سياسية لاعتقاله وقتله. وقد جُرّ جسد هاني وجسد مسلم في أسواق الكوفة، وكانا أول شهيدين في طريق نهية الإمام الحسين (عليه السلام) وحُمِلَ رأساهما إلى الشامِ.
وتتجلى في شخصية مسلم بن عقيل (عليه السلام) أسمى معاني التفاني والعبودية لله تعالى، فهو سفير الإمام الحسين (عليه السلام) الذي جسّد بمسيرته الربانية أروع صور الثبات على المبدأ والوفاء للحق. إن تأملنا في نصوص زيارته الشريفة يكشف لنا مقاماته العالية وما حازه من بصيرةٍ نافذة وقوةٍ في الإيمان، جعلت منه أنموذجاً فريداً في مدرسة العترة الطاهرة (عليهم السلام).
ومن خلال استعراض هذه المحطات، نغوص في دلالات وفائه وتضحياته التي أصبحت معياراً للنصرة، ومقامات عبوديته التي استحق بها أن يكون بلسان الزيارة "العبد الصالح". ففي رحاب سيرته، نجد الدروس التي تربي النفس على التكامل القائم على طاعة الله ورسوله، والاقتداء بالنهج الذي مضى عليه المجاهدون الصادقون، وهذا ما سوف يتم تناوله عبر الأمور الآتية:
أولاً: تجليات المقام في زيارة العبد الصالح
إن مسلم بن عقيل (عليه السلام) هو وريث الأنبياء(عليهم السلام)، الرجل المقدس والعالم الفقيه الذي انتجبه الإمام الحسين (عليه السلام) لما وجد فيه من العلم والفقاهة والإدارة. وفي زيارته الشريفة، نقرأ عظمة مقامه: {سَلامُ اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ وَسَلامُ مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ وَأنبيائِهِ المُرسَلِينَ... وَالزَّاكِياتُ الطَّيِّباتُ فِيما تَغتَدي وَتَرُوحُ عَلَيكَ يا مُسلِمَ بنَ عَقِيلِ}.(5) هذا التسليم الإلهي المتجدد في الغدو والرواح يدل على علو مرتبته في مراتب القرب. قال المحقق الإصفهاني: (6)
كَفَاهُ فَخْرًا مَنْصِبُ السِّفَارَةْ *** وَهُوَ دَلِيلُ القُدْسِ وَالطَّهَارَةْ
وَعَيْنُـــــــــــهُ كَانَتْ بِهِ قَرِيرَةْ *** حَيْثُ رَآهُ نَافِذَ البَصِــــــــيرَةْ
لِسَانُهُ الدَّاعِي إِلَى الصَّوَابِ*** بِمُحْكَمِ السُّنَّةِ وَالكِتَـــــــــابِ
لَهُ مِنَ العُلُومِ مَا يَلِيقُ بِهْ *** بِمُقْتَضَى رُتْبَتِهِ وَمَنْصِبِهْ
أَشْرَقَ كُوفَانَ بِنُورِ رَبِّهَا *** مِذْ حَلَّ فِيهَا رَبُّ أَرْبَابِ النُّهَى
بَكَى عَلَى غُرْبَتِهِ آلُ العَبَا *** وَكَيْفَ لَا وَهُوَ غَرِيبُ الغُرَبَا
نَاحَتْ عَلَيْهِ أَهْلُ بَيْتِ العِصْمَةْ *** فَيَالَهَا مِنْ ثُلْمَةٍ مُلِمَّهْ
وقال الشيخ عبد الواحد المظفر:
تَصَفَّحْتُ أَخْبَارَ السِّفَارَةِ لَمْ أَجِدْ *** سَفِيرًا يُدَانِي مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلِ
أَرَى ذِكْرَهُ حَيًّا وَإِنْ غَابَ شَخْصُهُ*** لَدَى كُلِّ دَوْرٍ فِي الْحَيَاةِ وَجِيلِ
فَتًى يَنْتَقِيهِ السِّبْطُ سِبْطُ مُحَمَّدٍ*** لَمْ تَسْــــــــــــــــمَعِ الدُّنْيَا لَهُ بِمَثِيلِ
لقد كان نفاذ بصيرته هو المعيار الذي اختاره الحسين (عليه السلام) من أجله، فاستحق بهذا المنصب مكانة تليق بتلميذ مدرسة العترة (عليهم السلام). كان مسلماً قد تتلمذ على يد الإمام علي (عليه السلام) والحسن (عليه السلام)، مما صقل شخصيته الجامعة للعقل والشجاعة والحكمة.
ثانياً: شهادة الوفاء ومعيار النصرة
تُبين الزيارة في متنها عمق العمل الصالح الذي قدمه هذا السفير: {أشهَدُ أنَّكَ أقَمتَ الصَّلاةَ وَآتَيتَ الزَّكاةَ وَأمَرتَ بِالمَعرُوفِ وَنَهَيتَ عَنِ المُنكَرِ وَجاهَدتَ في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ}. لقد كان قائداً ميدانياً شجاعاً، حيث ذكرت المصادر مشاركته في صفين وهو في ريعان شبابه. وتستمر الزيارة في الشهادة له بالوفاء: {أشهَدُ أنَّكَ وَفَيْتَ بِعَهدِ اللهِ وَبَذَلتَ نَفسَكَ في نُصرَةِ حُجَّةِ اللهِ... أشهَدُ لَكَ بِالتَّسلِيمِ وَالوَفاءِ وَالنَّصِيحَةِ}. لقد كان نصوحاً لـ "السِّبطِ المُنتَجَبِ وَالدَّلِيلِ العالِمِ"، وبذل غاية المجهود حتى أتاه اليقين. فاستحق جزاءً عظيماً بما صبر واحتسب: {فَجَزاكَ اللهُ عَن رَسُولِهِ وَعَن أمِيرِ المُؤمِنِينَ وَعَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيـنِ أفضَلَ الجَزاءِ}. إن هذه النصوص تؤكد أن مسلماً لم يكن مجرد فرد، بل كان تجسيداً للحق في أسمى صوره.
ثالثاً: بصيرة العبد الصالح ومقامات العبودية
يخاطب الزائر مسلماً بلقب رفيع: {السَّلامُ عَلَيكَ أيُّها العَبدُ الصَّالِحُ المُطِيعُ للهِ وَلِرَسُولِهِ}. وهذه العبودية هي ركيزة التكامل كما وُصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن بـ "العبد" في رحلة الإسراء(7). وتكمل الزيارة: {أشهَدُ أنَّكَ مَضَيتَ عَلى ما مَضى عَلَيهِ البَدرِيُّونَ المُجاهِدُونَ}. إن بلوغ مقام البصيرة يتضح في قوله: {أشهَدُ أنَّكَ لَم تَهِن وَلَم تَنكُل وَأنَّكَ قَد مَضَيتَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمرِكَ}. لقد نزل مسلماً من جواده ليرعى حقوق الحيوان، وتركه يبحث عن رزقه في إشارة إلى كمال أخلاقه ورأفته حتى في لحظات غربته. لقد كان وحيداً في أزقة الكوفة، لكن قلبه كان مطمئناً بالله تعالى، وإن كل مؤمن مدعو للتأسي بأخلاق مسلم (عليه السلام) التي تجسد فيها الدين والإيمان.
زر مسلماً إن كنت حقاً مسلماً فالدين والإيمان فيه تجسدا
الخاتمة
انتهى الأمر بمسلم بن عقيل (عليه السلام) في دار السيدة طوعة(8)، رمز الولاء في مجتمع الكوفة المتقلب. استخدم ابن زياد الشائعات والحروب النفسية لخذلان الناس عن نصرة الحق، فنشر إشاعات وصول جيش الشام، مما تسبب بتفرق الناس. وتتضمن الزيارة لعناً لمن ظلم السفير: {لَعَنَ اللهُ مَن قَتَلَكَ... وَمَن بايَعَكَ وَغَشَّكَ وَخَذَلَكَ وَأسلَمَكَ}. هذه الدعوة لليقظة العقلية تعلم المؤمن ألا ينجرف وراء التيارات المنحرفة. وفي ختام الزيارة نرفع أكف الضراعة: {فَجَمَعَ اللهُ بَينَنا وَبَينَكَ وَبَينَ رَسُولِهِ وَأوليائِهِ في مَنازِل المُخبِتِينَ}. إن مسلم بن عقيل سيبقى سفير الحسين (عليه السلام) لكل الأجيال، درساً في الثبات أمام التحديات، فسلام الله عليه يوم وُلد ويوم استشهد ويوم يُبعث حياً. سيبقى ذكره حياً يتردد في كل عصر، بانتظار الحكم الإلهي الذي هو خير الحاكمين.
المصادر والهوامش
1-مثير الأحزان ص17، اللهوف -السيد ابن طاووس- ص26.
2-ينظر: الخرائج والجرائح للراوندي (ج2، ص550)، وإبصار العين في أنصار الحسين (عليه السلام) للسماوي (ص93)، وتاريخ الكوفة للسيد البراقي (ص321ـ324)، وتاريخ الطبري (ج4، ص300 و359)، والثقات لابن حبان (ج2، ص310)، ورجال الطوسي (ص103)، ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (ج3، ص232 و243)، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (ج5، ص8)، وإقبال الأعمال لابن طاووس (ج3، ص346)، ومثير الأحزان لابن نما الحلي (ص7)، والعين للخليل الفراهيدي (ج8، ص71)، والإرشاد للمفيد (ج2، ص70)، والبداية والنهاية لابن كثير (ج8، ص182)، وخلاصة الأقوال للعلامة الحلي (ص192)، وعوائد الأيام للمحقق النراقي (ص867).
3-كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (ج2، ص37، وص39-40)، وأنساب الأشراف للبلاذري (ج11، ص164)، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص195)، وخاتمة المستدرك للميرزا حسين النوري (ج8، ص326)، وتاريخ الطبري (ج4، ص263-264)، بالإضافة إلى ما ذكره السماوي في كتابه إبصار العين في أنصار الحسين (ص112).
4- ينظر: كتاب إبصار العين، ص110، و141، و142، و139 نقلاً عن طبقات ابن سعد، بالإضافة إلى ما ذُكر في تنقيح المقال، ج3، ص288 حول تقدير عمر هانئ بن عروة بتسعة وثمانين عاماً. كما تم الاعتماد على بحار الأنوار، ج45، ص20، و96، ومروج الذهب للمسعودي، ج3، ص59، وكتاب الفتوح، ص854 و855.
5- فيما يخص الزيارات الواردة عن مسلم بن عقيل (عليه السلام)، فقد أثبت الأصحاب زيارتين خاصّتين له، نورد تفاصيلهما فيما يلي:
الزيارة الأولى: أشار إليها الشيخ المفيد في كتابه [المزار الكبير، ص207]، حيث بيّن كيفية زيارته عند الورود إلى مشهده الشريف، وقد نقلها عنه ابن المشهدي في [المزار الكبير، ص180]، كما أوردها ابن طاووس في [مصباح الزائر، ص100] مع إضافة استهلالٍ بالحمد والثناء لله تعالى قوله: «الحمد لله المالك الحق المبين، المتصاغر لعظمته جبابرة الطاغين... إلى آخره».
الزيارة الثانية: ذكرها ابن طاووس في [مصباح الزائر، ص103] كزيارة أخرى يُستقبل فيها القبلة عند الوقوف على الضريح الشريف، ومما ورد فيها: «السلام عليك أيّها الفادي بنفسه ومهجته، الشهيد الفقيد المظلوم، المغصوب حقّه، المنتهك حرمته، السلام عليك يا مَن فدى بنفسه ابنَ عمّه... إلى آخره».
6- الأنوار القدسية، محمد حسين الإصفهاني، ص160.
7- سورة الإسراء/الآية:1.
8- تستند الروايات المتعلقة بالسيدة طوعة وما جرى في دارها إلى مصادر تاريخية أساسية، منها: تاريخ الرسل والملوك للطبري (ج5، ص371)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (ج3، ص349)، بالإضافة إلى ما ذكره أحمد بن محمد مسكويه في كتابه تجارب الأمم وتعاقب الهمم (ج2، ص31).


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!