مفردة [ البكاء ]
تعد مفردة [ البكاء ] في نصوص عاشوراء ( روايات ، خطب ، زيارات ) ركيزة محورية بعد أن تحوّلت من مجرد تعبير عاطفي إلى أداة عقائدية ، عبادية ، سياسية وتربوية .
وإليك كيف تم توظيف هذه المفردة في النصوص العاشورائية :
أما في الروايات والأحاديث ، فالبكاء : سبب لأجرٍ عظيم وعبادة تفوق في ثوابها الأبعاد التقليدية للجزاء : مَن بكى أو تباكى غُفرت له ذنوبه ، وتوّضح لنا النصوص أنه ظاهرة من ظواهر التفاعل الكوني مع الفاجعة : في (ينابيع المودة) ج 2 ص 3 ، عن إبراهيم النخعي قال : خرج علي ( عليه السلام ) فجلس في المسجد [ رحبة الكوفة ] ، و اجتمع أصحابه . فجاء الحسين ( عليه السلام ) فوضع يده على رأسه ، فقال : يا بنيّ إن اللّه ذمّ أقواما في كتابه ، فتلا الآية من سورة الدخان فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ [ الدخان : 29 ] . وقال : يا بنيّ لتقتلنّ من بعدي ، ثم تبكيك السماء و الأرض . و ما بكت السماء و الأرض إلا على يحيى بن زكريا ( عليه السلام ) ، و على الحسين ابني .
أما البكاء في خطب الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام فتم توظيفه كأداة إدانة واستنهاض ، فأدانت الحوراء عليها السلام في خطبتها أهل الكوفة بقولها : أتبكون وتنتحبون ؟! فلا رقأت الدمعة ، فجعلت من البكاء علامة على الخزي والهوان .
ونرى البكاء في زاوية أخرى من كربلاء يأخذ بعداً مغايراً ، حيث يوظّف للشفقة وإظهار الرحمة ، وهذا ما نجده في بكاء الإمام عليه السلام يوم عاشوراء ، لا من خوف ، بل من الشفقة على أعدائه لدخولهم النار بسببه .
ثم أن البكاء على الإمام الحسين له مردود إيجابي على الباكي ، خاصة عند المفجوعين بمصيبة أبي عبدالله عليه السلام ، فيجدون فيه تنفيساً لحزنهم ووجدهم وجزعهم ، وطبيّاً فإن البكاء يحفز الجسم على إطلاق هرمونات مسؤولة عن تقليل حالات التوتر والألم والضغط النفسي .. يقول الجواهري :
لِلنَّفْسِ حَالَاتٌ يَلَذُّ لَهَا الْأَسَى
وَتَرَى الْبُكَاءَ كَوَاجِبٍ مَشْرُوعِ
وخلاصة التوظيف والتحسين الدلالي لمفردة البكاء في نصوص وأدبيات عاشوراء هي : تحوّل البكاء من بكاء إنكسار إلى بكاء إنتصار ، وهذا التحوّل الدلالي هو أحد الوسائل الإعلامية أيضاً التي حفظت الثورة من النسيان ، وتحوّل معه البكاء من دمعة تسيل على الخد إلى وقود يغذي قيم رفض الظلم على مر العصور .
لهذا يؤكد أهل البيت على مسألة البكاء على الحسين عليه السلام ، عن الرَّيَّان بن شبيب قال : دخلتُ على الرِّضَا عليه السلام في أَوَّل يومٍ من المُحَرَّمِ .. فقال :
يا ابن شبيب ، إن كنت باكيا لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام ، فإنه ذبح كما يذبح الكبش ، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ، ما لهم في الأرض شبيهون ، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله .
يا ابن شبيب ، إن بكيت على الحسين حتى تصير دموعك على خديك ، غفر الله لك كل ذنب أذنبته ، صغيراً كان أو كبيراً ، قليلاً كان أو كثيرا .
يا ابن شبيب ، إن سرك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان ، فاحزن لحزننا ، وافرح لفرحنا ، وعليك بولايتنا ، فلو أن رجلا أحب حجرا لحشره الله معه يوم القيامة .
مع مفردة أخرى إن شاء الله تعالى ..


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!