شهدت الآونة الأخيرة في العراق موجة من عمليات النشر في مواقع التواصل الاجتماعي لسلوكيات لا تتماشى مع العرف الاجتماعي والاخلاقي ذاع صيتها حتى وصلت الى مستوى عالمي فتحولت عملية الوصول الى حقائق المعلومات من البحث الاستقصائي الى حالة الهوس بالانكشاف ودخول معترك الفضيحة والولوج في طريق التدمير الممنهج للنسيج المجتمعي المنافي للفكر والسلوك الانساني الرصين وتجاهل حائط الصد الذي ينص على ان (ناشر الخطأ شريكاً فيه).
اذ تشير الدراسات الى ان نظرية تطبيع القبح تعمل بمعول الهدم لتحويل المجتمعات الى ساحات للمحاكم الغوغائية الاجتماعية الغير رصينة الهادفة لنشرالقبح وتشويه السلوك الاجتماعي عبر تكرار عرض السلوكيات المنحرفة تحت مسميات النقد او نشر السبق الصحفي حتى يحقق الالفة الاجتماعية للسلوكيات الخاطئة.
وهذا ما اكدته نظرية التعلم الاجتماعي فعند مشاهدة الافعال الخاطئة باستمرار وتكرارها لدى المتلقي فهي تكسر حاجز الهيبة الاخلاقية لدى الافراد والتغافل عن موضوع الستر الإلكتروني حتى بات يتسم بالشراهة لنشر القبح فهو لا يعني التغطية على الجريمة قدر مايعد محاصرة للافعال الفاحشة ومنعها من التحول الى عدوى سلوكية تدفع الاخرين لنفس التصرف وانه يعد امراً طبيعياً كونه شائع رغم منافاته للعادات والتقاليد والاعراف.
اذ يصف الفيلسوف المعاصر (بيونغ تشول) المجتمعات المعاصرة (بالمجتمعات الشفافة) التي تكشف كل شيء ورغم ذلك فان هذه المجتمعات الشفافة هي ليست مجتمعات ديمقراطية بل هي مجتمعات متلصصة على خصوصيات الاخرين اذ يسعى فيها الافراد الى نشر عثرات واخطأ الاخرين وبهذه الطريقة يتحقق (الاعدام المدني) كما وصفة (ميشيل فوكو) في عملية تحليل الاليات الرقابية للستر الرقمي.
والذي يهدف فيه إلى مقاومة النشر للاخبار المغرية والاكثر شهرة واكثر متابعة الا انها تتنافى مع السلوكيات الاخلاقية والاعراف فالستر الرقمي هو فعل حضاري يهدف الى خلق مسافة سيادية للفرد تمنع تحويل اخطأ البشر الى وصمة تطارد صاحبها وتثبت ارشفتها في العالم الرقمي وتسبب له ازمات نفسية ونبذ اجتماعي وتمنعه من ممارسة حياته بشكل طبيعي وقد تتسبب في نتائج كارثية كالانت&حار.
ولهذا فأن الادبيات الاخلاقية في المسؤولية الاعلامية الرقمية تؤكد على عدم اشاعة الفواحش لانها تُسهم في تشتيت الوعي الجمعي لقضايا المجتمع المهمة وهو ما يحدث في بعض البلدان لتوجيه اهتمام الراي العام عن قضايا مهمة ومصيرية، في حين ترتكز الفضائح على توجيه اهتمام الجمهور على مبدأ اشباع الغرائز وليس تغذية الوعي والفكر.
كما ان الأدبيات الاخلاقية والاعلامية تعد مذيع الفاحشة كفاعلها وتتطابق الى حدٍ ما مع المبدأ القانوني الذي يجرم المشاركة في الضرر ذلك لان النشر للفضيحة ليس فعلاً محايداً بل هو طاقة وقود تزيد من اشعال الازمة فبدون اعادة للنشر واثارة مشاعر الجمهور تتبدد الفضيحة وتؤد في مهدها ويكون العقاب فردياً للمرتكب من جهة واحدة فقط وليس عقاباً جماعياً من قبل المجتمع.
وعلى هذا الاساس يكون الستر الرقمي رداء واقي للمجتمع من التأكل فهو ليس مجاملة للخطأ ولا عفو عنه او التغاضي عنه بل هو حماية لعدم تلوث الفضاء العام للجمهور بصورة عامة فالمجتمعات التي تقتات على الفضائح هي مجتمعات اساساً تعاني من الهشاشة لقيمها الاجتماعية والجهل باتزانها القيمي والديني وعليه لا بد من الركون بالمجتمع للوصول في تثقيف الناشرين الى وجود ما يسمى بالحرمة الرقمية التي تصبوا بالمجتمع ليكون مجتمعاً رصيناً محافظاً يحتوي اخطأ أبنائه سعياً منه لإصلاحهم ونصحهم والمحافظة على كرامتهم وعدم السماح الى افساد مسامع الابرياء منهم وتلويث افكار وبصيرة النشيء فيه.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!