تُعدُّ شعيرة استبدال راية الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام من اللون الأحمر إلى اللون الأسود، إيذاناً ببدء شهر محرم الحرام، شهر عاشوراء والمواساة، من أقدس الشعائر وأضخم الفعاليات التي تشهدها العتبات المقدسة. وتسعى كل عتبة إلى تقديم هذا المنجز بصورة متميزة خدمةً للشعائر الحسينية المباركة، وقد قدّمت العتبة العباسية المقدسة هذا العام مشاهد مسرحية صامتة أضفت على الشعيرة طابعاً فنياً يستحق الدراسة والتأمل.
وما بين المحور الداخلي (العرض) والمحور الخارجي (التاريخ)، قدّم العرض مشهداً حياً متكاملاً بُني على دلالات النص التاريخي. فجاء الديكور متمثلاً بنهر، ودم، وقربة تنزف، ومجموعة من الدروع أُعدّت لتشكّل منظراً من مناظر العرض، إلى جانب السهام وصفوف المقاتلين الذين وقفوا بصمت ووقار، وقد ارتسمت على وجوههم صلابة الحزن. وكان كل ممثل يحمل سمات شخصية تاريخية، لا على التعيين، من شخصيات الطف الحسيني، فسعى مخرج العمل إلى بناء أفق التوقع لدى المشاهد من خلال استحضار هذه الرموز.
قد يكتفي العرض بخلق الدلالات، وعلى المشاهد تقع مسؤولية بناء الأحداث أو تخيلها بالصورة التي يراها. ففي مسرحية «مشعلو الحرائق» التي قُدمت في سبعينيات القرن الماضي للمخرج عوني كرومي، استُدعيت سيارات الإطفاء لتوضع أمام المسرح. إن منظر سيارات الإطفاء، مع دلالة عنوان المسرحية، حرّك ذهنية المتلقي لتنشط فيها صور الحريق والنار والدخان ورجال الإطفاء، بينما كانت تلك السيارات مجرد عنصر ديكوري، ليبقى المشهد فاعلاً في ذهن المتلقي.
واليوم لاحظنا في هذا العرض امتزاج الإنارة بالديكور، وتكامل الألوان المعدّة، ودلالات الانتقال بين اللونين الأحمر والأخضر، فيما انتشر اللون الأبيض في الأزياء للدلالة على حضور الأنصار. وقد اعتمد الإخراج على المخادعة الإيجابية، فشيّد مشهداً ذهنياً يرسم الأدوار التي ستؤديها تلك الشخصيات، فجذب الانتباه إلى ودائع الذاكرة، وحرّك ذهنية المتلقي، واستفز قدرته المعرفية على توقع المعاني والدلالات واستخلاصها قبل وقوعها.
لقد خلق استنطاق الصمت في العرض بهاءً من الحزن المقدس وعمقاً ذهنياً، فمن المعروف في عوالم المسرح أن غياب الحوار يفعّل الخيال ويشغل حواس المتلقي. لذلك كان حضور الأشخاص بالزي الأبيض مجرد دلالة من دلالات إحياء الرموز.
كان الجميع يتوقع وجود عرض مسرحي، وقد حملت مراسيم العتبة العباسية المقدسة لهذا العام لمسة فنية مميزة، نأمل أن تتطور مستقبلاً إلى عمل مسرحي متكامل يصاحب مراسيم تبديل الراية، ويمنح هذه الشعيرة بعداً جمالياً ومعرفياً يوازي عظمتها الروحية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!