تعدُ واقعةَ كربلاءَ ، أو معركة الطف، منْ أعظمِ الأحداثِ في التاريخِ الإسلاميِ أوْ الإنساني، لما حملتهُ منْ معانٍ ساميةٍ في التضحيةِ والثباتِ والدفاعِ عنْ المبادئ، فقدْ خرجَ الإمامُ الحسينُ (ع) سنةَ 61 ه، استجابةً لنداءاتِ أهلِ الكوفة، وغيرهم من أهل العراق،الذينَ دعوهُ للإصلاحِ ومواجهةْ الظلمِ والانحراف، لكنهمْ تراجعوا عنْ وعودهمْ تحتَ ضغطٍ الترهيب والإغراء الذي مارسهُ اللعين (عبيد اللهِ بنِ زياد) والي الكوفةِ آنذاك، إلا قلة قليلة لاتملك القوة والسلطان.
هكذا وجدَ الإمام الحسين (ع) نفسه معَ أهلِ بيتهِ وأصحابهِ القليلينَ في مواجهةِ جيشٍ كبير، ليقدمَ أروعَ صورِ الصبرِ والفداءِ في سبيلِ الحق، فلمْ تكنْ الثورة ، معركةً منْ أجلِ السلطةِ أوْ المكاسبِ الدنيوية، بلْ كانتْ ثورة أخلاقية هدفتْ إلى إحياءِ قيمِ العدالةِ والكرامةِ والحرية.
لقد عبرَ الإمامُ الحسينُ (ع) عنْ هدفهِ بقوله: ( إني لمْ أخرجْ أشرا، ولا بطر، وإنما خرجت لطلبِ الإصلاحِ في أمةِ جدي ) ، منْ هنا، أصبحتْ كربلاءُ رمزا عالميا لمقاومةِ الظلمِ والانتصارِ للمبادئِ مهما كانتْ التضحيات.
وهذا ما أكدَه القرآنُ الكريمُ في قيمةَ التضحيةِ والاستشهادِ في سبيلِ الحق، فقالَ سبحانه وتعالى: ( ولا تحسبنَ الذينَ قتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتا، بلْ أحياء عندَ ربهمْ يرزقون) (آل عمران: 169 ) ، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ( إنَ اللهَ اشترى منْ المؤمنينَ أنفسهمْ وأموالهمْ بأنَ لهمْ الجنة) التوبة: 111. تظهرُ هذهِ الآيات، أنَ التضحيةَ في سبيلِ المبادئِ الساميةِ ليستْ خسارة، بلْ طريق إلى الخلودِ والكرامة.
لو تأملنا بعض الوقائع التاريخية، نجدُ أنَ التضحياتِ العظيمة، أساسُ نهضةِ الأممِ وبناءِ مستقبلها، فالأممُ التي تملك- رجالاً ونساء- مستعدينَ للدفاعِ عنْ الحقِ والعدلِ وقادرة على تجاوزِ الأزماتِ وصناعةِ التغيير، فقدْ أصبحتْ كربلاءُ مدرسةً للأحرارِ في كلِ زمان، تعلمهمْ أنَ الإصلاحَ الحقيقيَ يحتاجُ إلى الصبرِ والثباتِ والاستعدادِ لبذلِ الغالي والنفيس منْ أجلِ القيمِ الإنسانية.
وهذا ما عبرَ عنهُ العديدُ منْ المفكرينَ والأدباءِ عنْ عظمةِ استشهادِ الإمامِ الحسينِ (ع ) فقالَ الزعيمُ الهنديُ المهاتما غاندي: تعلمتْ منْ الحسينِ كيفَ أكون مظلوما، فأنتصر.
قالَ الشاعرُ أحمد شوقي: " كانَ الحسينُ على الإسلامِ مدرسة للحقِ قامت، وللإصلاحِ عنوانا "
أما المفكرُ والأديبُ عباس محمود العقاد، فقدْ وصفَ الحسين بأنهُ رمزٌ للبطولةِ الخالدةِ التي انتصرتْ للمبدأ على حسابِ المصلحة.
إنَ ذكرى كربلاء، ليستْ مجردَ حدثٍ تاريخي، بلْ رسالةً متجددةً تؤكدُ أنَ الحقَ قدْ يحاصر، لكنهُ لا يهزم، وأنَ التضحياتِ الصادقةَ قادرةٌ على صناعةِ مستقبلٍ أفضلَ للأمم.
هكذا بقيَ الإمامُ الحسينُ (ع) حيا في وجدانِ الأحرار، وبقيتْ ثورة كربلاءُ منارة تهدي الأجيالُ إلى قيمِ العدلِ والحريةِ والكرامة، وتؤكدُ أنَ بناءَ المستقبلِ، يبدأُ بالثباتِ على المبادئِ والاستعدادِ للتضحيةِ منْ أجلها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!