كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

التوازن بين الوعي والمسؤولية

أنا أكتب لا من باب الغرور، بل لأنني تغيّرت؛ تبدّل وعيي، وصرت أرى الأشياء بعينٍ أخرى، وأشعر أن في داخلي ما يحتاج إلى مراجعة وتبدّل. لم أعد كما كنت، ولا أريد أن أبقى كما أنا؛ فهناك أشياء كثيرة فيّ لا بد أن تتغير، لأن الإنسان كلما ازداد وعيًا واطلاعًا، ازداد حاجته إلى من يقرأه على نحوٍ يشبهه، لا لأنه أفضل من غيره، بل لأنه يبحث عمّن يفهم الأسئلة التي تدور في ذهنه قبل أن يتبين له الجواب.

حتى أولئك الذين كنت أظن أنني منسجم معهم، بدأت ألحظ بيني وبينهم فجوةً عميقة؛ لأنني صرت مختلفًا، ولأن أشياء كثيرة فيّ لم تعد كما كانت. وحين لا تجد ذلك الشخص الذي تشعر معه بالألفة، تصبح غريبًا عن مكانك، أو غريبًا فيه.

فالوعي يجعلك تنتبه إلى أمور قد يراها الناس عادية، لكنها بالنسبة إليك مؤلمة للغاية. قد ترى شخصًا يُهان أمامك، فتظل تحمل المشهد أيامًا، بينما ينساه الآخرون بعد دقائق. تبتلع الموقف كغصّة لا تستطيع إخراجها، وتظل تسأل نفسك: كيف مرّ عليهم الأمر بهذه السهولة؟


والأشد من الإهانة نفسها أن ترى صاحبها يتعامل معها بوصفها أمرًا عاديًا.
 فيقول الناس : تعوّد، أو هذا طبعه.


غير أن الإهانة ليست أمرًا طبيعيًا، وتكرارها لا يجعلها مقبولة. كما أن اعتياد الناس على الظلم لا يحوّله إلى حق، بل قد يكون نتيجة طول المعاناة أو ضيق الحيلة. ولعل أخطر ما يفعله الظلم أنه يدفع المظلوم إلى الظن بأن ما يعيشه جزءٌ طبيعي من الحياة.

صحيح أن عدم السكوت قد يكون حلاً حين يكون الكلام قادرًا على ردّ الظلم أو كشف الخطأ، لكن السكوت أيضًا قد يكون علاجًا أحيانًا لشخص لا يفهم بالكلام، أو لمن لا يردعه إلا غياب الرد. فليس كل صمتٍ ضعفًا؛ فهناك صمت الحكمة، وصمت انتظار التوقيت المناسب، وصمتٌ يحفظ ما تبقى من النفس، ويمنعها من أن تُستنزف في مواجهة لا تُثمر.


ولعل هذا ما يجعلني أرى أن الوعي ليس راحة كما يظن البعض، بل مسؤولية ثقيلة. فهو يجعلك ترى ما لا يراه الآخرون، وتتألم لما اعتاده الناس، وتحاول أن تحافظ على إنسانيتك دون أن تتصالح مع ما لا ينبغي أن يكون عاديًا.


 يقول الله تعالى:
﴿ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾

الوعي.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!