ليست المواقف العظيمة، إذا تعدّدت وجوه النظر إليها، دليلًا على غموضها أو اضطرابها، بل قد يكون ذلك شاهدًا على رسوخها وعُمقها واتّساع دلالتها. فالقضايا التي تقوم على أرضٍ صُلبة، وتمتدّ في الوعي امتدادًا راسخًا، لا تُستنفد من زاوية واحدة؛ لأنّ كلّ ناظرٍ يتأمّل فيها من جهة، فيرى من شخوصها، أو أحداثها، أو مقدّماتها، أو تداعياتها، أو ما ترتّب عليها، ما قد لا يلتفت إليه غيره.
وهكذا هي قضية الحسين عليه السلام؛ فكلّما تأمّلها إنسان من وجه، رأى غيره لها وجهًا آخر. ولا يعني ذلك أنّ هذه الوجوه تتعارض أو تتقاطع بمعنى التنافي، بحيث يُلغي بعضها بعضًا، وإنّما يعني أنّها وجوه تتكامل في بناء الرؤية، وتتساند في الكشف عن عظمة الموقف وسَعة دلالته.
فالإنسان، في نظرته إلى المواقف والأشخاص والأحداث، ينطلق غالبًا من منطلقات كامنة في نفسه، ومتأثّرة بتجربته وبيئته وشخصيّته. ومن هنا تختلف وجوه النظر، وتتعدّد زوايا التحليل، مع بقاء الحقيقة الكبرى ثابتة في أصلها.
نعم، قد توجد رؤيةٌ تُجافي الواقع وتخالف الحقائق؛ لأنّ صاحبها لا يرغب في الإقرار بهذا الواقع، إمّا لعدم انسجامه النفسي معه، فإنّ الأذلّاء لا يروق لهم موقف الكرام الأعزّاء، وإمّا لأنّ ذكاءه يدله على أنّ التسليم بهذا الواقع سينقض عليه أركانًا كان يتوهّم قيامها، ويستظلّ بظلّها؛ كمن لا تستسلم نفسه لحكم القضاء على أبيه أو أخيه بالإدانة والخيانة والإجرام.
وبناءً على هذا، فلنا أن نعرض ما نراه في قضية الحسين عليه السلام، وهو أنّ عنوانها الأعمق عنوانٌ دينيّ، ولذلك يصحّ أن يوصف موقفه بأنّه موقف إلهيّ رَبّانيّ. فالمجتمع الإسلامي بعد رحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يكن يعيش صراعًا بين الدين والإلحاد، ولا بين الدين والشرك الصريح، وإنّما كان أمام مسارين يراد له أن يسلك أحدهما.
الأول: أن يكون الدين قالبًا وقلبًا لله؛ فظاهره الطاعة لله تعالى، وباطنه التسليم لأمره وحكمه وشريعته، وأن يعمل العبد ما يريده منه ربّه كما يريده الربّ، لا كما يريده العبد أو يشتهيه.
والثاني: أن يكون الدين قالبه لله، وأمّا حقيقته فتُفرَّغ من محتواها؛ فتُحفظ مظاهر الطاعة، وتبقى صورة العمل على وفق ما أمر الله، ولكن لا على حدّه الصارم، بل بحلّ عقدٍ من الشريعة وعقدها على غير ما عقده الله، وباستلاب هُدْبٍ من رداء العزّة، وبزعم القبض بقبضةٍ من أثر الرسول، أبصرها أحدهم دون أن يبصرها غيره، ثم أراد أن يتعبّد الناس بما يظنّ ويرى.
وعلى هذا، فحقيقة الصراع، من وجهة هذه الرؤية، هي تفريغ الدين من مضمونه ومحتواه، وفكّ عُراه المتّصلة بالله تعالى، وجعلها في حيازة مُدّعٍ أو دَعيّ. وهذا أصل الصراع قبل بعثة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وإلى يومنا هذا؛ فما كان خلاف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وشريعته السماوية مع أهل الكتاب إلا في هذا المعنى: أن يُراد للدين أن يبقى اسمًا وصورة، ثم تُنتزع منه حقيقة التسليم لله، وتُجعل الكلمة الأخيرة للهوى أو المصلحة أو السلطان أو التأويل الذي لا يقوم على حقّ.
ومن هنا نفهم جانبًا من واقع المسلمين اليوم؛ فإنّ من أعظم ما يُمدحون عليه إقامتهم للصلاة جماعة، وتداعيهم إلى بيوت الله، وحفظهم لهذه الشعيرة العظيمة، فإنّ في ذلك مظهرًا كريمًا من مظاهر الدين، وصورةً حيّةً من صور الانتماء إلى الإسلام. ولكنّ السؤال الأعمق لا يقف عند إقامة صورة الصلاة، بل يتوجّه إلى شريعة هذه الصلاة وروحها: هل هي الصلاة التي تنهى النفس عن الفحشاء والمنكر، حتى يشعّ أثرها في المجتمع نهيًا عن الفحشاء والمنكر؟ وهل تحوّل المصلي إلى عبدٍ لله في قلبه وسلوكه، كما هو عبدٌ له في قيامه وركوعه وسجوده؟
إنّ الصلاة التي أرادها الله تعالى ليست حركةً مجرّدة، ولا اجتماعًا خاليًا من الأثر، ولا صورةً تحفظ هيئة الدين ثم تترك النفس على أهوائها. إنّما هي عبادةٌ تُنشئ في القلب خضوعًا، وفي النفس رقابةً، وفي السلوك استقامةً، فإذا فُصلت الصلاة عن هذا المعنى، بقيت قشرتها وانحسر روحها، وحُفظت صورتها وضعف أثرها.
وهكذا يمكن أن يُقام الدين على قشرة ظاهرية خاوية، يتداعى الناس إلى حفظها والتمسّك بها، من غير روحٍ ولا أعماقٍ تنبض بالحياة. وحينئذٍ يصير من الطبيعي أن يجتمع ظاهرٌ صالح مع باطنٍ طالح، وأن يقع عمل خيرٍ خالٍ من حقيقة الأجر والثواب، لأنّه لم ينطلق من قلب خاضع لله، ولا من إرادة تريد ما أراد الله، بل من صورة دينية نُزع عنها سرّها الإلهي.
في مثل هذا السياق، لا تكون نهضة الحسين عليه السلام حدثًا سياسيًا عابرًا، ولا موقفًا احتجاجيًا محدودًا، وإنّما تكون إعادة إعلان لحقيقة الدين: أنّ الدين ليس ألفاظًا تُرفع، ولا شعائر تُؤدّى من غير روح، ولا قالبًا يُستثمر لتثبيت سلطان، بل هو تسليم لله، وإصلاحٌ لأمّة رسول الله، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر، وسيرٌ على نهج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه علي بن أبي طالب عليه السلام.
ومن هنا نفهم أنّ الإصلاح الحسيني لم يكن ترقيعًا اجتماعيًا، ولا تسوية سياسية، بل ردّ الدين إلى قلبه، وربط العُرى التي أُريد لها أن تنفكّ عن الله، وإحياء معنى الطاعة حيث يراد للطاعة أن تصير صورة، وإحياء معنى العزّة حيث يراد للمؤمن أن يستبطن الذلّ باسم الدين.
السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أبا عَبْدِ اللهِ، وَعلَى الأرْواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ، وَأنَاخَت برَحْلِكَ، عَلَيْكَ مِنِّي سَلامُ اللهِ أبَدًا مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ.
محمد البغدادي


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!