كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المرجعية الدينية العليا... عشرون عامًا من التحذير والدعوة إلى الإصلاح

 لم يكن موقف المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف من الفساد موقفًا طارئًا فرضته الأحداث، ولا ردَّ فعلٍ على أزمةٍ عابرة، بل مثّل مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا رافق مسيرة الدولة العراقية منذ سنواتها الأولى بعد عام 2003. فمن خلال خطب الجمعة والبيانات الرسمية، رسمت المرجعية خارطة طريق واضحة لبناء دولة تقوم على النزاهة والعدالة وسيادة القانون، وحذّرت مرارًا من أن استشراء الفساد المالي والإداري يمثل أخطر تهديد لمستقبل العراق، بل لا يقل خطرًا عن الإرهاب.

ومنذ عام 2014، أكدت المرجعية أن الفساد بلغ مستويات خطيرة جعلت العراق يُصنَّف بين أكثر دول العالم فسادًا، داعيةً إلى إفساح المجال أمام وجوه جديدة تمتلك الكفاءة والقدرة على إدارة الدولة، بعد أن أخفقت التجارب السابقة في تحقيق تطلعات المواطنين. ولم تقتصر دعوتها على تغيير الأشخاص، بل شددت على ضرورة إصلاح منهج إدارة الدولة، وتشكيل حكومات قادرة على تدارك أخطاء الماضي وفتح آفاق جديدة أمام العراقيين.

ومع اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمساحات واسعة من البلاد، أوضحت المرجعية أن ما حدث لم يكن نتيجة القوة العسكرية للتنظيم فحسب، وإنما كان أيضًا ثمرةً مباشرة لاستشراء الفساد وسوء الإدارة داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة الأمنية. وأكدت أن الفساد كان من أبرز الأسباب التي أضعفت مؤسسات الدولة وأدت إلى الانهيار الأمني، الأمر الذي استدعى إصدار فتوى الدفاع الكفائي لحماية العراق ومقدساته.

وفي أكثر من مناسبة، حملت المرجعية القوى السياسية التي تولت إدارة البلاد المسؤولية الكبرى عما آلت إليه الأوضاع، مبينةً أن كثيرًا من المسؤولين قدّموا مصالحهم الشخصية والحزبية والطائفية على المصلحة الوطنية، وتقاسموا المناصب بعيدًا عن معايير الكفاءة والنزاهة، مما أفسح المجال أمام انتشار الفساد وإهدار المال العام وتراجع الخدمات.

كما وصفت المرجعية معركة الإصلاح بأنها معركة مصيرية، مؤكدة أن القضاء على الفساد تأخر كثيرًا، وأن استمراره يهدد حاضر العراق ومستقبله. وشددت على أن نجاح أي إصلاح حقيقي يتطلب إرادة سياسية صادقة، وقضاءً مستقلاً، وأجهزة رقابية فاعلة، وإدارة تعتمد الكفاءة بدل المحاصصة، لأن الإصلاح لا يتحقق بالشعارات، وإنما بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

وعندما خرج العراقيون في تظاهراتهم المطالبة بالإصلاح ، أوضحت المرجعية أن تلك الاحتجاجات جاءت نتيجة تراكم سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة وغياب العدالة الاجتماعية، مؤكدة أن المواطنين لم يجدوا سبيلًا آخر للمطالبة بحقوقهم بعد أن تحولت الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ والمصالح، وغابت عنها معايير الدولة العادلة.

لقد كانت المرجعية الدينية واضحة في تشخيص الداء، كما كانت واضحة في طرح العلاج. فهي لم تكتفِ بانتقاد الفساد، بل دعت باستمرار إلى بناء دولة المؤسسات، واحترام القانون، ومحاربة المحاصصة، واختيار المسؤول الكفوء الأمين، وترسيخ ثقافة النزاهة، باعتبار أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإدارة الرشيدة قبل أي شيء آخر.

واليوم، ومع استمرار ملاحقة ملفات الفساد وفتح التحقيقات بحق عدد من المسؤولين، تتجدد أهمية العودة إلى تلك التوجيهات التي سبقت الأحداث بسنوات، إذ أثبتت الوقائع أن تحذيرات المرجعية لم تكن تشخيصًا سياسيًا عابرًا، وإنما قراءة عميقة لواقع الدولة ومخاطر استمرار الفساد على أمن العراق واقتصاده ومستقبل أجياله.

إن معركة مكافحة الفساد، كما أكدت المرجعية الدينية العليا، ليست مسؤولية القضاء والأجهزة الرقابية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية يشترك فيها الجميع؛ حكومةً وبرلمانًا ومؤسساتٍ وإعلامًا ومواطنين. فبقدر ما ينجح العراق في ترسيخ النزاهة وسيادة القانون، يكون قد خطا خطوة حقيقية نحو بناء دولة قوية تحفظ المال العام، وتصون كرامة المواطن، وتحقق العدالة والتنمية المستدامة.

":"  كتابات في الميزان ":" 
يستعرض المقال الموقف الثابت للمرجعية الدينية العليا من الفساد، مبينًا أنها تبنت منذ سنوات مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا يقوم على بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون، وعدّت الفساد من أخطر التحديات التي تهدد العراق. ويربط بين تحذيرات المرجعية والوقائع التي شهدتها البلاد، ليؤكد أن رؤيتها لم تكن مرتبطة بظرف سياسي، بل استندت إلى تشخيص عميق لأسباب الأزمات وسبل معالجتها. ويخلص المقال إلى أن نجاح مكافحة الفساد يتطلب التزامًا وطنيًا شاملًا يستند إلى النزاهة والعدالة والكفاءة في إدارة الدولة.

خطبة_النصر.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!