ليست محاربة الفساد أن تُفتح الأبواب فجرًا على بعض البيوت، ولا أن تُعرض الأموال المكدّسة في الخزائن والقناني والحقائب، ولا أن يرى الناس وجوهًا كانت تبدو بالأمس فوق الشبهة فإذا بها اليوم تحت السؤال. ذلك كلّه مهم، بل هو لازم حين تبلغ الوقاحة حدّها، وحين يتحول المال العام إلى غنيمة تتوزعها الأيدي كما تتوزع الذئاب فريستها. غير أنّ أخطر ما في الفساد أنه لا يعيش في المال المخبّأ وحده، بل يعيش قبل ذلك في الأرضية التي تسمح له أن ينمو، وفي البيئة التي تجعل المال مستباحًا، ثم تسوّل للسارق أن ينجو بسرقته.
كل حملة جادة لمحاسبة الفساد تستحق أن يُشدّ على يدها؛ لأنّ الدولة التي لا تحاسب من يعبث بمالها تفقد شيئًا من حصانتها، وتمنح الفاسدين شعورًا بأن هيبتها قابلة للمساومة. والمواطن حين يرى المال العام يُستردّ، والفاسد يُسأل، يشعر بأن القانون ما زال قادرًا على النهوض من تحت الركام. ولكنّ التأييد شيء، والتسليم المطلق شيء آخر؛ فالسلطة التي تحاسب الفساد لا تخرج بذلك من دائرة السؤال، بل تدخل امتحانًا أدق: هل تحاسب بمنطق الدولة، أم بمنطق اللحظة؟ وهل يظل معيارها هو الدليل والقانون، أم يتأثر بقرب هذا وبعد ذاك، وبقوة هذا وضعف ذاك؟
وقد عرفت دول كثيرة هذا الامتحان؛ ففي الصين مثلًا أطلقت السلطة حملة واسعة ضد الفساد، شملت مسؤولين كبارًا في الحزب والدولة والجيش، حتى اشتهرت بملاحقة «النمور والذباب» معًا، أي الكبار والصغار. وقد أحدثت تلك الحملة أثرًا واسعًا في جهاز الدولة، لكنها بقيت في نظر كثيرين ملتبسة بين محاربة فساد حقيقي وبين إعادة ضبط الولاءات ومراكز النفوذ.
وفي البرازيل كشفت عملية «غسل السيارات» شبكة فساد ضخمة امتدت إلى شركات كبرى وسياسيين وموظفين نافذين، وكانت في بدايتها صدمة أخلاقية وقانونية كبرى، غير أن مسارها اللاحق دخل في تعقيدات قضائية وسياسية أضعفت بعض نتائجها، وكشفت أن الحملة إذا لم تستند إلى قواعد راسخة قد تصبح هي نفسها موضع نزاع.
وفي جورجيا بعد ثورة الورود برز مثال آخر؛ إذ لم تقتصر المعالجة على القبض على بعض الأسماء، بل اتجهت إلى إصلاح قطاعات إدارية وأمنية وخدمية، بما جعل الدرس الأهم أن مقاومة الفساد لا تنجح بالمداهمة وحدها، بل بتغيير طريقة عمل الدولة.
والدرس من هذه التجارب ليس أنّ الحملات بلا قيمة، ولا أنّ القبض على الفاسدين عبث، بل الدرس أن الحملة التي لا تتحول إلى نظام تنتهي إلى خبر. تهزّ الساحة أيامًا أو شهورًا، فيختبئ بعض الفاسدين، ويتريث بعضهم، ويبدّلون طرقهم، وينتظرون أن يبرد الخبر، وينصرف الناس، وتعود الممرات القديمة بأسماء جديدة.
فالفساد، كالأوبئة، لا يموت بالخوف المؤقت، وإنما يموت حين تُجفّف مستنقعاته، وحين لا يعود الفاسد مطمئنًا إلى حماية حزب، أو صمت مسؤول، أو ثغرة قانون، أو قاضٍ خائف، أو رقابة مؤجلة.
وفي العراق لا يمكن أن يُقرأ الفساد قراءة بسيطة؛ فهو لم ينشأ من موظف صغير مدّ يده إلى رشوة، ولا من مدير طمع في عمولة، ولا من نائب وجد نافذة مستباحة في المال العام. هذه صور، أما الأصل فأعمق: محاصصة تجعل المنصب حصة لا أمانة، ومال سياسي يدخل الانتخابات ثم يخرج منها نفوذًا، ومكاتب اقتصادية تجعل الدولة سوقًا، وولاءات تجعل القانون أحيانًا أضعف من الهاتف السياسي. ولهذا لا يكون السؤال الحقيقي: كم شخصًا اعتُقل؟ بل: هل بدأت الدولة بمحاسبة البيئة التي أنجبتهم؟
إن الرأي العام، في تفاعله مع حملات المحاسبة، لا ينبغي أن يقف عند عدد الموقوفين ولا عند حجم الأموال المضبوطة، بل أن يتجه بطبيعته إلى السؤال الأشد إيلامًا: كيف خرج هذا المال أصلًا؟ من وقّع؟ من سهّل؟ من سكت؟ من حمى؟ من استفاد؟ ومن كان يعلم ثم انتظر اللحظة المناسبة ليعلن أنه اكتشف؟ فالمال المسروق لا يخرج من خزينة الدولة وحدها، بل يخرج معه جزء من ثقة الناس، وجزء من هيبة القانون، وجزء من معنى الوطن في نفوس أبنائه.
ومن هنا تبدو المحاسبة، إذا لم تكن شاملة، معرضة لأن تتحول إلى باب آخر من أبواب الفساد. فالفساد ليس سرقة المال فقط، بل سرقة العدالة أيضًا. وحين يحاسب صاحب السلطة من هو أضعف منه، ولا يفتح الباب نفسه على من يقترب منه أو يسنده أو يتحالف معه، فإن الناس لا يرون عدالة كاملة، بل يرون عدالة ناقصة. والعدالة الناقصة قد تخيف بعض الفاسدين، لكنها لا تطهّر الدولة. قد تجعلهم أكثر حذرًا، لا أكثر نزاهة، وقد تعيد ترتيب الحصص، لا إلغاء منطق الحصص.
لذلك ينبغي أن يكون الموقف متوازنًا: أن نساند كل جهد صادق في محاسبة الفساد، وأن نعدّه خطوة في الطريق الصحيح، من غير أن نمنح أحدًا صكّ براءة لمجرد أنه رفع شعار النزاهة. فمحاربة الفساد لا تمنح السلطة حصانة أخلاقية أو سياسية، بل تضعها أمام مسؤولية أكبر. ومن أراد أن يقنع الناس بأنه يحارب الفساد حقًّا، فعليه أن يثبت أن القانون لا ينتقي، وأن الملف أقوى من الموقع، وأن الدليل أعلى من الانتماء، وأن القريب والبعيد سواء أمام السؤال.
والفساد في جوهره لا يُهزم حين يُقال للفاسد: سنمسك بك إذا خرجت من طاعتنا، بل حين يُقال للجميع: لا أحد فوق المساءلة. لا الحزب، ولا الوزير، ولا النائب، ولا الحليف، ولا المموّل، ولا صاحب السلاح، ولا صاحب الصوت العالي، ولا من يتكئ على جمهور، ولا من يحتمي بعنوان. فالقانون الذي لا يجرؤ إلا على الضعفاء ليس قانونًا كاملًا، بل ظلّ قانون.
ومن هنا يقوم الإصلاح الحقيقي على ركنين لا غنى عنهما:
الأول: الوقاية قبل العلاج. والوقاية ليست كلمة أخلاقية جميلة، بل منظومة كاملة: شفافية العقود، رقابة مبكرة، إعلان الذمم المالية، منع تضارب المصالح، تتبع مصادر تمويل الحملات الانتخابية، حماية المبلّغين، رقمنة الإجراءات، تقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، ضبط المنافذ، منع بيع المناصب، وتحرير القضاء والرقابة من الخوف السياسي. إن الدولة التي تنتظر حتى يُسرق المال ثم تبحث عنه تحت الأرض تشبه من يترك أبواب بيته مفتوحة، ثم يفخر بسرعة شرطته بعد السرقة.
أما الركن الثاني فهو منع تسييس المحاسبة. وهذه هي العقدة الأصعب؛ لأن الفساد غالبًا لا يعيش بعيدًا عن السياسة، بل يتغذى منها ويتبادل معها الحماية. فإذا أرادت السلطة أن تقنع الناس بصدقها، فلتجعل معيارها الجريمة لا الخصومة، والدليل لا الاصطفاف، والقانون لا الحاجة السياسية. وليكن طريق المحاسبة واحدًا: يبدأ من حيث يوجد الفساد، لا من حيث يوجد الخصم.
إنّ العراق لا يحتاج إلى موسم نزاهة، بل إلى نظام نزاهة؛ ولا يحتاج إلى لحظة غضب عابرة على الفساد، بل إلى عقل دولة يجعل الفساد صعبًا ومكلفًا ومكشوفًا. لا يحتاج إلى أن يُقال له كل بضع سنوات: بدأنا من جديد، بل يحتاج إلى بداية لا تنتهي بانتهاء الحملة، ولا تهدأ بانطفاء الخبر؛ بداية لا تقف عند بعض الفاسدين، بل تتجه إلى القاعدة التي جعلت الفساد ممكنًا ومربحًا وآمنًا.
ولذلك فليست الحاجة إلى «صولة فجر» وحدها، بل إلى «صولة كلّ ساعة»: يقظةٍ دائمة تجعل محاسبة الفساد ميزانًا لا عصًا. ميزانًا يضع فيه صاحب السلطة نفسه وخصومه على حدّ سواء، لا أداةً يضرب بها من لا يملك مثل سلطته، ثم يلين حدّها عند خاصّته وحلفائه.
فالفساد لا يُجتثّ بسقوط بعض ثماره العفنة، بل بقطع الماء عن جذوره. وإذا بقيت الجذور في الأرض، فستعود الشجرة إلى الإثمار، ولكن بأغصان أخرى، وأسماء أخرى، ووجوه تُقسم هذه المرة أنها جاءت لمحاربة الفساد.
محمد البغدادي


التعليقات
يوجد 1 تعليق على هذا المقال.
اقتلعوا جذور الفساد
فالحملات والإجراءات، مهما بلغت شدتها، لن تتجاوز معالجة الأعراض ما دامت الجذور باقية. وسرعان ما يتكيّف الفاسدون مع القوانين الجديدة، ويتماهون مع حملات المكافحة، ويجدون لأنفسهم منافذ جديدة للإفلات من المساءلة.
أما حيتان الفساد، فإنها غالبًا لا تختفي، بل تعيد إنتاج نفسها بأسماء وواجهات وتحالفات مختلفة، لتستأنف الدورة ذاتها من النهب والإفلات من العقاب، ما دامت البيئة السياسية والإدارية والقانونية التي أنجبتها ما تزال قائمة.